الخطبة الثالثة والثمانون
الجلسة الحادية عشرة
فهرس الدورة
الخطبة الأولى13 جلسة
الخطبة الثالثة10 جلسات
الخطبة الرابعةجلسة واحدة
الخطبة الخامسةجلسة واحدة
الخطبة العشرونجلسة واحدة
الخطبة الثلاثونجلسة واحدة
التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ
الحمدلله ربّ العالمین، والصلاة والسلام على أشرف الأنبیاء والمرسلین، حبیب قلوب الصادقین، أبیالقاسم المصطفى محمّد. اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد وعلى أهل بیته الطیّبین الطاهرین، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعین من الآن إلى قیام یوم الدین.
التوقّعات الواهية في حياة الإنسان
مواصلة شرح الخطبة ٨٣ من نهج البلاغة
قلنا في الجلسة السابقة إنّ أمير المؤمنين (ع) أشار إلى بعض نعم الله تعالى. فنحن واقعًا غارقون في النعم الإلهية؛ فهناك الآذان التي جعلها الله لنا لنستخدمها في طريق طاعته، والعينان والبدن الذي وهبنا إيّاه. وقد شرحنا جميع هذه الأمور. ومن هذه النعم عمر الإنسان المستور والمجهول.
وتحدّثنا كذلك عن تاريخ الماضين، وأنّه ينبغي أن نعتبر من حياتهم ونتعلّم الدروس منها. فلم يستفيدوا من فرصهم، ولم ينتفعوا كما ينبغي بالنعم التي وُضعت تحت تصرّفهم، حتى أدركهم الموت قبل أن يبلغوا آمالهم:
فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاعَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِیَ الْهَرَمِ، وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ، وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ، مَعَ قُرْبِ الزَّوَالِ، وَأَزُوفِ الِانْتِقَالِ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ، وَأَلَمِ الْمَضَضِ، وَغُصَصِ الْجَرَضِ
لم يمهّدوا ولم يهيّئوا الأرضية، مع أنّ أبدانهم كانت سليمة. فلم يستفيدوا من سلامة أبدانهم، كما لم ينتفعوا بشبابهم في مطلع شبابهم. و«أَنْفُ الْأَوَانِ» تعني بداية الشباب.
عندما ينظر الإنسان إلى تاريخ الماضين، يرى أنّهم لم يستفيدوا من فرصهم وشبابهم. وكل الأمثلة التي ذكرناها من تاريخ الماضين كانت من أجل الاعتبار وتعلّم الدروس. فإذا لم يتّعظ أحد بهذا التاريخ، فستكون التوقّعات التي يشير إليها أمير المؤمنين (ع) فيما بعد توقّعات واهية.
التوقّع الواهي الأوّل: اعتبار الشباب دائمًا
يقول أمير المؤمنين (ع):
فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاعَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِیَ الْهَرَمِ
هل ينتظر الذين يتمتّعون بنضارة الشباب وحيويته شيئًا غير انحناء الشيخوخة؟
«بَضَاعَةُ الشَّبَابِ» تعني ليونة البشرة ونضارتها وحيوية الشباب. فالشاب مفعم بالنضارة والحيوية. و«حوانی» جمع «حانی»، وتعني الانحناء. فهل يتصوّر الشاب أنّ شبابه سيبقى إلى الأبد، وأنّ الشيخوخة لن تدركه؟ إنّ جميع الناس يهرمون. ولذلك فإنّ من يتوقّع ألّا يهرم، فتوقّعه واهٍ.
إنّ تصوّر الشاب أنّه لن يفقد نضارته وحيويته، وأنّ انحناء الشيخوخة لن يدركه، هو توقّع واهٍ.
وقد أنشد ملك الشعراء بهار شعرًا جميلًا:
رأيتُ شيخًا عند الفجر في الطريقمن شدّة العجز قد انحنى نحو التراب
فقلتُ له: ما الذي أضعته في هذا الطريق؟فقال: الشباب، الشباب، الشباب
الشباب يزول. يا أيّها الشباب، اعرفوا قدر أنفسكم. ينبغي لشبابنا المخاطبين أن يكونوا شديدي الحذر. فالشباب أفضل فرصة وأفضل مرحلة من عمر الإنسان. وينبغي الاستفادة القصوى من هذه الفرصة في سبيل الآخرة، وإعداد الزاد والذخيرة لذلك العالم؛ لأنّ الإنسان مهما أراد أن يدّخر، فعليه أن يدّخر في هذه الدنيا، وزمن الادّخار هو مرحلة الشباب.
عندما يهرم الإنسان ينحني، وتزول قدراته، وتصيبه أنواع الأمراض. وعندما يدرك المرض الإنسان، فقد لا يعود قادرًا على فعل شيء. فالمرض، حتى إن لم يؤدِّ إلى الموت، يجلب العجز.
التوقّع الواهي الثاني: اعتبار الصحّة دائمة
يقول أمير المؤمنين (ع):
وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ
«غَضَارَة» تعني الكثرة والوفرة؛ ولذلك فإنّ «غَضَارَةُ الصِّحَّةِ» تعني وفرة العافية واستمرارها. و«سَقَم» تعني المرض، و«نوازل» جمع «نازلة»، أي العوارض والأمراض التي تطرأ على الإنسان فجأة.
هل يتوقّع من يتمتّع بالصحّة والعافية ألّا تصيبه عوارض المرض؟ إنّ الأمراض والعوارض المختلفة تطرأ على الإنسان فجأة. ومن كان في كامل الصحّة والقدرة، فلا ينبغي له أن يتصوّر أنّ المرض لن يصيبه أبدًا. وهذا أيضًا توقّع واهٍ.
قد يكون الإنسان سليمًا نضرًا، ويمارس الرياضة، ويكون منشغلًا بنشاطه في الملعب، ثم يصاب فجأة بمرض؛ فقد يصاب مثلًا بألم مفاجئ في بطنه وينقل إلى المستشفى. وهذه عوارض مفاجئة لا يعلم أحد متى تقع.
يقول سعدي:
بكى شخصٌ طوال الليل عند رأس مريضفلمّا أصبح الصبح مات الشخص وعاش المريض
وكم من جواد سريع بقي في الطريقبينما أوصل الحمار الأعرج صاحبه إلى المنزل
أحيانًا ينقلون المريض إلى المستشفى، ويريد مرافقوه أن يبقوا إلى جانبه. وأحيانًا ينقلون المريض إلى وحدة العناية المركّزة، ولا يُسمح للمرافق بالدخول. كان أحد الأشخاص يُصرّ على ضرورة بقائه إلى جانب زوجته المريضة. وفي النهاية وضعوا له كرسيًّا إلى جانب المريضة. كانت المريضة في مكانها، وكان ذلك الشخص جالسًا على الكرسي إلى جانبها. وعندما جاء الأطباء صباحًا، رأوا أنّ المريضة ما زالت في مكانها، أمّا ذلك الشخص السليم فقد سقط على الكرسي وفارق الحياة. لقد جاء لرعاية المريضة، لكن لا أحد يعلم بهذه العوارض.
إنّ الذي كان يبكي عند رأس المريض من الليل حتى الصباح فارق الحياة، بينما بقي المريض حيًّا. وكم من جواد سريع يتخلّف في الطريق، بينما يصل الحمار الأعرج إلى المنزل.
ويقول سعدي في موضع آخر:
كم دفنّا في التراب من أصحّاءولم يمت الجريح
لذلك ينبغي للإنسان أن يعرف قدر شبابه وصحّته، وأن يستفيد أقصى استفادة من زمن شبابه ومرحلة عافيته. إنّ توقّع بقاء الشباب دائمًا، وألّا تدرك الشيخوخة والانحناء الإنسان، وأن تكون الصحّة دائمة ولا يصاب الإنسان بالمرض، هو توقّع واهٍ.
هاتان العبارتان لأمير المؤمنين (ع) استفهام إنكاري؛ أي لا يُنتظر غير ذلك. فعبارة «فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاعَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِیَ الْهَرَمِ» تعني: هل ينتظر أصحاب الشباب شيئًا غير انحناء الشيخوخة؟ ومن المؤكّد أنّ الشيخوخة ستدركهم. وكذلك «وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ» تعني: هل ينتظر أصحاب الصحّة والعافية شيئًا غير عوارض المرض؟ وهذا أيضًا استفهام إنكاري.
التوقّع الواهي الثالث: اعتبار البقاء خالدًا
يقول أمير المؤمنين (ع):
وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ
هل ينتظر أصحاب البقاء الطويل، والذين باقون في الدنيا، شيئًا غير حلول وقت الفناء؟ وهل يتوقّعون ألّا يدركهم الفناء؟ فكما ينتهي الشباب إلى الشيخوخة، وتقترن الصحّة بالمرض، ينتهي بقاء الإنسان إلى الفناء والعدم. ولا يوجد توقّع آخر غير ذلك.
وهذا في الوقت الذي تكون فيه آثار الزوال والانتقال قد اقتربت:
مَعَ قُرْبِ الزَّوَالِ، وَأَزُوفِ الِانْتِقَالِ، وَعَلَزِ الْقَلَقِ، وَأَلَمِ الْمَضَضِ، وَغُصَصِ الْجَرَضِ
«قُرْبِ الزَّوَالِ» يعني اقتراب الزوال والاضمحلال. و«أَزُوفِ الِانْتِقَالِ» يعني اقتراب الانتقال إلى عالم الآخرة. لقد ظهرت جميع هذه الآثار والعلامات. فالبقاء يتّجه تدريجيًّا نحو الفناء والعدم؛ والزوال قريب، والانتقال إلى القيامة قريب، وتظهر الاضطرابات المختلفة.
«عَلَزِ الْقَلَقِ» يعني شدّة الاضطراب والقلق. يضطرب الإنسان، وتظهر فيه آثار القلق ورعشة الاضطراب. و«أَلَمِ الْمَضَضِ» يشير أيضًا إلى الآلام والمضايقات الجسدية والنفسية؛ من الاضطرابات العصبية، والقلق، والهموم التي تنشأ.
«غُصَص» جمع «غُصَّة»، لكنّها هنا لا تعني الغصّة بالمعنى المتداول، بل تعني احتباس الشيء في الحلق. و«جَرَض» يعني ماء الفم وماء الحلق. يبلغ الإنسان سنًّا يصبح فيه حتى ماء فمه عالقًا في حلقه، ولا يعود قادرًا على ابتلاعه بسهولة. وهذه من آثار كون البقاء في طريق الزوال والتحرّك نحو الفناء.
وبناءً على ذلك، لا يستطيع أحد أن يتوقّع ألّا يدركه الفناء، في الوقت الذي ظهرت فيه جميع هذه الآثار والعلامات عليه. يقول أمير المؤمنين (ع):
وَتَلَفُّتُ الِاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ
يهرم الإنسان إلى حدّ لا يعود معه قادرًا حتى على ابتلاع ريقه، أو أداء أعماله، أو رفع شيء من الأرض، أو شرب الماء. فماذا يفعل عندئذ؟ «تَلَفُّت» من مادّة الالتفات، أي التوجّه والإقبال. فعندما يبلغ الإنسان هذا السنّ، ولا يعود قادرًا على فعل شيء بنفسه، يلجأ إلى طلب المساعدة.
ممن يطلب المساعدة؟ «الْحَفَدَة» تعني الأحفاد. وهذا التعبير ينسجم أيضًا مع التجربة. فإذا احتاج الإنسان المسنّ إلى المساعدة، فإنّه يطلبها أولًا من أحفاده؛ لأنّ الأحفاد يحبّون جدّهم وجدّتهم عادةً حبًّا شديدًا، ويسارعون إلى مساعدتهما. ويكفي أن يناديهم أحد حتى يبادروا إلى الحضور قبل غيرهم.
يستغيث الإنسان ويطلب العون لكلّ مساعدة يحتاج إليها:
وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْأَعِزَّاءِ وَالْقُرَنَاءِ
ثمّ يتوجّه بعد الأحفاد إلى أقاربه. و«أَقْرِبَاء» تعني الأقارب. فإذا لم يكن له أحفاد، طلب المساعدة من أقاربه. ثمّ يراجع أعزّاءه. و«أَعِزَّاء» جمع «عزیز». وبعد ذلك يلجأ إلى «قُرَنَاء». و«قُرَنَاء» جمع «قَرِین»، وتعني الرفاق والزملاء؛ كزملاء الدراسة، وزملاء الصفّ، وزملاء العمل.
لا يعود الإنسان قادرًا على فعل شيء بنفسه، ويصل أمره إلى هذا الحدّ. فالبقاء يتحرّك تدريجيًّا نحو الفناء والعدم. ولذلك فإنّ تصوّر الشاب أنّ الشيخوخة لن تدركه، أو ظنّ السليم أنّ المرض لن يصيبه، هو توقّع واهٍ. وكذلك لا يستطيع الباقون في الدنيا أن يتوقّعوا ألّا يدركهم الفناء، في الوقت الذي تظهر آثاره وعلاماته تدريجيًّا.
ثمّ يقول أمير المؤمنين (ع):
فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحُ
هل يستطيع هؤلاء الأقارب أن يدفعوا الموت والفناء عن الإنسان؟ وهل تنفع النائحات له؟ «نَوَاح» جمع «نَائِحَة»، وتعني النائحات؛ وهنّ اللواتي يضربن على رؤوسهنّ بالصراخ والعويل إلى جانب المريض أو المتوفّى، ويقلن: وا مصيبتاه، إنّه يموت؛ وا مصيبتاه، لقد حدث كذا وكذا.
وخلاصة الأمر أنّ الإنسان يتّجه نحو العدم. وينبغي معرفة قدر الشباب والصحّة والبقاء؛ لأنّ العدم يدرك الجميع.
لقد أعطى الله تعالى الإنسان متاعًا لا يستطيع الإنسان أن يملكه، وإنّما عليه أن ينتفع به فحسب. فكثير من متاع الدنيا يكون تحت تصرّف الإنسان، ويعدّ نفسه مالكًا له؛ كالبيت، والطعام، والفاكهة، وسائر الأشياء التي تكون في حوزته. لكنّ هناك متاعًا لا يصبح الإنسان مالكًا له، بل ينبغي له أن ينتفع به فقط. وهذا المتاع فريد لا بديل له؛ فإذا ذهب، فلا عوض له ولا بديل.
إنّ عمر الإنسان الثمين متاع من هذا القبيل. فلا شيء يحلّ محلّ العمر. وإذا مضى العمر، فلا يعود. وإذا أضاعه الإنسان، فلا يستطيع أن يستعيده من جديد.
﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
﴾لماذا يكون الإنسان في خسران؟ لأنّه لا ينتفع على الوجه الأمثل بمتاعه الثمين، أي عمره. وبالطبع فإنّ لخسران الناس مراتب؛ لكنّ الذين يخرجون من هذا الخسران هم وحدهم الذين يؤمنون، ويعملون الصالحات، ويوصي بعضهم بعضًا بالحقّ والصبر. وهذه هي الاستفادة الصحيحة والمثلى من العمر. ولأنّ العمر لا يعود ولا بديل له، فينبغي إنفاقه في هذا الطريق.
والآن يقول أمير المؤمنين (ع): عندما يبلغ الإنسان الشيخوخة، ويعجز، ويلجأ لطلب المساعدة إلى أحفاده وأقاربه وأعزّائه ورفاقه:
فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحُ
هل يستطيع هؤلاء الأقارب أن يدفعوا الموت عنه؟ وهل تنفع النائحات له؟
وحدة الإنسان في القبر
«النواحب» جمع «ناحِه»، أي النائحات واللواتي يعزّين الميّت بالصراخ والضجيج. فهل يستطيع هؤلاء الأقارب الذين اجتمعوا حوله لمساعدته، بكلّ صراخهم وعويلهم، أن يفعلوا له شيئًا ويدفعوا عنه الموت؟
وَقَدْ غُدِرَ فِي مَحَلِّ الْأَمْوَاتِ رَهِينًا
كلا. عندما يموت الإنسان، يكون له جسد وروح. فيحملون جسده وروحه معًا. يأخذ روحه عزرائيل والملائكة الذين معه، ويضعون جسده في التابوت وينقلونه إلى المقبرة. ويقول أمير المؤمنين (ع) إنّهم ينقلونه إلى «محلّ اموات»، أي إلى حيّ الموتى والمقبرة.
هل يستطيع الأقارب، بكلّ ذلك الضجيج، أن يمنعوا نقله إلى المقبرة؟ عندما كان مريضًا، جئتم لمساعدته، وفعلتم كلّ ما استطعتم، لكن هل تمكّنتم من دفع الموت عنه؟
وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيدًا
يتركونه في المقبرة، بعد أن أودعوه وحيدًا في مرقده، وينصرفون إلى شؤونهم. و«مَضْجَع» يعني موضع الاضطجاع. يتركونه وحيدًا في ذلك المرقد الضيّق وفي ذلك القبر الصغير. وهذا هو كلّ ما يستطيع الأقارب فعله؛ أمّا تلك الصرخات والعويل فلا فائدة منها له.
هذا هو مصير جسد الإنسان. يودعون الجسد في المقبرة أمانةً ورهينةً، وينصرفون؛ لكن لا يبقى بعد مدّة حتى أثر لذلك الجسد.
قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ
عندما يتركونه في القبر، فأوّل ما يأتي إلى هذا الجسد هو «هوام». و«هوام» جمع «هامّه»، وتعني الحيوانات المؤذية والهوام؛ كالحية، والأفعى، والعقرب، وسائر الحشرات والحيوانات التي تأتي إلى الجسد وتمزّق جلده ولحمه.
و«هَتْک» يعني التمزيق والإزالة. فمثلًا، «هتک حرمت» يعني إزالة كرامة شخص، كأنّهم مزّقوا ستار كرامته. وهنا أيضًا تمزّق الحشرات والحيوانات المؤذية جلد الجسد، ويأخذ كلّ منها جزءًا منه ويأكله.
إنّ الصورة التي يرسمها أمير المؤمنين (ع) شديدة الوقع. تصوّروا عصفورًا سقط في مكان ما. تأتي إليه الحيوانات المختلفة، والصراصير، والنمل، وأنواع الحشرات، وينتزع كلّ منها قطعة من جسده. وبعد بضع ساعات لا يبقى منه شيء؛ فهذا يأخذ جناحه، وذاك يأكل لحمه، وكلّ منها يأخذ جزءًا منه. وكذلك يكون مصير الإنسان بعد أن يُترك في القبر.
وَأَبْلَتِ النَّوَاكِرُ جِدَّتَهُ
جسد الإنسان حين يوضع في القبر يكون طريًّا؛ غير أن عوامل مختلفة تقضي تدريجيًّا على نضارته وحيويته، وتجعله باليًا عتيقًا. «إبلاء» يعني التبليَة والإبْلاء، و«جِدّه» يعني الجِدّة والنضارة. ولذلك، تمزّق الحشرات جسده أيضًا، وتزول نضارته وحيويته.
وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ
«عواصف» جمع «عاصفة»، وتعني الرياح الشديدة والعواصف. فالرياح العاتية تزيل آثاره.
ولأمير المؤمنين (ع) هنا تشبيه بديع. يمكن تشبيه الإنسان بشجرة لها آثار وثمرات كثيرة؛ فلها أوراق وثمار وأغصان، وتخلّف عنها آثارًا مختلفة.
كما يمكن تشبيه الإنسان بشخص يمشي على الساحل. فتظلّ آثار أقدامه على الرمال، وإذا قطع مسافة طويلة، أمكن رؤية آثار خطواته على امتداد الساحل. وفجأة يهيج موج البحر، ويرتفع الماء، فيمحو جميع تلك الآثار؛ فلا يبقى منها أي أثر. ويسمّي العرب زوال الآثار «عفوًا».
وعفو الله تعالى يعني ذلك أيضًا. فالإنسان يترك بذنوبه آثارًا في روحه؛ فيُحدث فيها البقع والكدورات. والله تعالى الذي يعفو، يزيل آثار الذنوب ويمحوها بموجة رحمته.
والإنسان أيضًا يكون في البداية، كشجرة باسقة نفيسة، ذا آثار وخصائص مختلفة؛ فله مقام وشهرة وعلم وقدرات، ويعرفه الآخرون بهذه الخصائص نفسها. لكن عواصف الحوادث تزيل كل هذه الآثار؛ كما تُسقط الرياح العاتية أوراق الشجرة وثمارها، ولا تترك منها إلا شجرة يابسة عارية من الأوراق.
وَمَحَتِ الْحَوَادِثُ مَعَالِمَهُ
كما تمحو الحوادث معالمه وخصائصه. و«المعالم» هي الأشياء التي يُعرف الإنسان بها. فقد يكون شخص مهندسًا، فيُعرف بكونه مهندسًا، أو يكون طبيبًا، ويشتهر بكونه طبيبًا؛ لكن هذه الخصائص كلها تزول بمرور الزمن. فلا يبقى بعد ذلك لا هندسة ولا طبابة.
بل قد تزول آثاره أيضًا. فقد كانت له كتب محفوظة في مكتبة، ثم جاء السيل فأتلفها جميعًا. فإذا كان هو نفسه قد زال، فإن آثاره تهلك كذلك. وتمحو الحوادث تدريجيًّا جميع هذه المعالم.
وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَهْجَتِهَا
وتزول الأجساد وتهلك بعد ما كان لها من البهجة والنضارة. فـ«بَهْجَه» تعني النضارة والبهجة، و«شُحوب» يعني زوال اللون والنضارة. والجسد الذي كان نضرًا قويًّا يبلى ويفنى تدريجيًّا.
وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا
العظام في جسد الإنسان من أشدّ أجزائه صلابة وقوّة؛ لكنها تبلى في نهاية المطاف أيضًا. وبعد أن تزول أعضاء الجسد واحدًا تلو الآخر وتأكلها الحشرات، يأتي دور العظام، فتفقد هي الأخرى نضارتها وصلابتها وتتعفّن.
وقد قيل إن العظام نفسها تزول بعد مرور سنوات طويلة. ولهذا، ينبغي عادةً أن تمرّ سنوات قبل دفن ميت آخر في القبر نفسه، حتى تزول آثار الجسد السابق. وبعد مدة، قد يزول القبر نفسه أيضًا؛ فيأتي السيل ويمحو آثار القبور، فلا يبقى منها أي علامة.
هذه هي نهاية جسدنا وبدننا. فكل ذلك الاضطراب والصخب والبكاء والنحيب لم يستطع في نهاية الأمر أن يفعل له شيئًا. لقد وضعوا الجسد في القبر، وبعد مرور الزمن بلي ذلك الجسد نفسه واندثر.
ولكن ما مصير روح الإنسان؟ يشير أمير المؤمنين (ع) أيضًا إلى حال الأرواح، وسنتناول ذلك إن شاء الله في الجلسة القادمة.
نأمل أن تبقى كلمات أمير المؤمنين (ع) دائمًا في أذهاننا، وألّا ننساها. فلنقرأ هذه الخطب مرارًا، ولنطبّقها في حياتنا. نأمل أن يحشرنا الله جميعًا مع مولى المتقين، أمير المؤمنين (ع)، وأن نعيش حياة طيبة في ظلّ ذلك الإمام.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ.