الانتقال إلى المحتوى الرئيسي
الأستاذعلي إيماني

الخطبة الثالثة والثمانون

الجلسة التاسعة

فهرس الدورة
الخطبة الأولى13 جلسة
  1. الجلسة الأولى52:38
  2. جلسه ششم55:09
  3. جلسه هفتم48:17
  4. جلسه هشتم48:01
  5. جلسه نهم43:01
  6. جلسه دهم44:35
  7. جلسه یازدهم49:51
  8. جلسه دوازدهم45:26
  9. جلسه سیزدهم52:14
  10. جلسه چهاردهم53:25
  11. جلسه پانزدهم51:28
  12. جلسه شانزدهم47:05
  13. جلسه هفدهم42:12
الخطبة الثانية3 جلسات
  1. جلسه اول45:32
  2. جلسه سوم50:14
  3. جلسه چهارم39:36
الخطبة الثالثة10 جلسات
  1. جلسه اول49:41
  2. جلسه دوم43:55
  3. جلسه سوم46:01
  4. جلسه چهارم44:50
  5. جلسه پنجم45:04
  6. جلسه ششم51:43
  7. جلسه هفتم45:57
  8. جلسه هشتم44:51
  9. جلسه نهم51:28
  10. جلسه دهم43:12
الخطبة الرابعةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)46:06
الخطبة الخامسةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)52:55
الخطبتان السادسة والسابعةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)39:55
الخُطَب الثامنة والتاسعة والعاشرةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)42:46
الخطبتان الحادية عشرة والثانية عشرةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)51:51
الخطبتان الثالثة عشرة والرابعة عشرةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)52:02
الخطبة الخامسة عشرةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)53:17
الخطبة السادسة عشرة4 جلسات
  1. جلسه اول50:51
  2. جلسه دوم53:03
  3. جلسه سوم58:50
  4. جلسه چهارم51:03
الخطبة السابعة عشرة3 جلسات
  1. جلسه اول48:04
  2. جلسه دوم48:57
  3. جلسه سوم43:36
الخطبة الثامنة عشرةجلستان
  1. جلسه اول48:01
  2. جلسه دوم46:31
الخطبة التاسعة عشرةجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)45:38
الخطبة العشرونجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)48:06
الخطبة الحادية والعشرونجلسة واحدة
  1. جلسه اول(تنها جلسه)1:00:59
الخطبة الثالثة والثمانون9 جلسات
  1. الجلسة الأولى48:04
  2. الجلسة الثانية38:45
  3. الجلسة الثالثة40:31
  4. الجلسة الرابعة34:03
  5. الجلسة الخامسة48:20
  6. الجلسة السادسة32:44
  7. الجلسة السابعة49:47
  8. الجلسة الثامنة39:32
  9. الجلسة التاسعة36:11

استمع إلى الجلسة

0:0036:11

التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب الصادقين، أبي‌القاسم المصطفى محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

دعوة الدين إلى الحياة الطيبة

في مواصلة مباحث الخطبة ٨٣ من نهج البلاغة، أودّ أن أذكر مقدّمة قبل الإشارة إلى مطالب هذا القسم. إنّ الدين وكلمات معصومينا يدعواننا إلى الحياة، لا إلى مجرّد البقاء. إنّ الله تعالى، والنبي الكريم للإسلام، والمعصومين سلام‌الله‌علیهم‌أجمعین، يدعون الناس إلى الحياة؛ إلى العيش والحياة الطيبة، أي الحياة النقية.

يقول القرآن الكريم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
سورة الأنفال، الآية ٢٤

إنّ ما نقرأه في كلمات أمير المؤمنين عليه‌السلام هو دعوة إلى الحياة الطيبة. والتقوى التي جرى التأكيد عليها مراراً في نهج البلاغة هي دعوة إلى الحياة الطيبة والعيش النقي. فالمتقون يعيشون حياة طيبة.

قال الإمام عليه‌السلام في القسم السابق:

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشِيَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُظِّرَ فَاعْتَبَرَ، وَحُذِّرَ فَحَذِرَ، وَزُجِرَ فَانْزَجَرَ، وَأَجَابَ فَأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاهْتَدَى، وَأُرْشِدَ فَأَرْشَدَ، وَأَسْرَعَ فَأَسْرَعَ، وَنَجَا فَهَرَبَ، وَفَازَ فَغَنِمَ.

نهج البلاغة، الخطبة ٨٣

ذكر الإمام اثني عشر نموذجاً للتقوى، وقد شرحناها في الجلسة السابقة. ونحن نبحث الليلة عن ثمرات تلك التقوى. إذا كان الإنسان من أهل التقوى على نحو ما ذكره الإمام في تلك المجموعات والنماذج الاثني عشر، فما نتيجتها وثمرتها؟ يذكر الإمام في هذا القسم ست ثمرات. وينبغي أن نعطف هذه العبارات الست على الجمل الأولى من هذا القسم:

فَأَسْرَعَ طَالِبًا، وَنَجَا هَارِبًا، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ مَعَادًا، وَاسْتَظْهَرَ زَادًا، لِيَوْمِ رَحِيلِهِ، وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ.

نهج البلاغة، الخطبة ٨٣

١. الإسراع في طلب الحق

«فَأَسْرَعَ طَالِبًا»؛ إذا كان الإنسان من أهل التقوى على النحو الذي ذكره الإمام، فإنّه يسرع في طلب الحق ويتحرّك مسرعاً نحوه. فهذا الإنسان يطلب الحق ويبحث عنه باستمرار.

فإحدى نتائج التقوى أنّ الإنسان يتحرّك وينشط ولا يبقى ساكناً. فهو ليس كالماء الراكد الذي يبقى ساكناً، بل هو في حركة دائمة. والإنسان المتقي يطلب الحق ويبحث عن الجنة باستمرار.

٢. الفرار من السيئات والنجاة

«وَنَجَا هَارِبًا»؛ الهارب هو الذي يفرّ. فالإنسان المتقي يفرّ من السيئات والرذائل وينقذ نفسه من الدنيا التي هي جهنم. وهو يسعى بسرعة وراء الحق والجنة ويفرّ من الدنيا المحرّمة.

ورد في رواية أنّ أفضل فرار هو الفرار من الحرام إلى الحلال:

«الفرار من الحرام إلى الحلال»

إنّ أثمن فرار هو أن يفرّ الإنسان من الحرام ويتّجه إلى الحلال. ولذلك، فإنّ الثمرة الثانية للتقوى هي أن يفرّ الإنسان من جهنم وينجو.

٣. تحصيل الذخيرة

«فَأَفَادَ ذَخِيرَةً»؛ الثمرة الثالثة للتقوى هي أن يحصل الإنسان على ذخيرة، وينتفع، ويهيّئ لنفسه مدّخرات. فالإنسان المتقي يحصل على ذخائر تعود عليه بالنفع.

٤. تطهير الباطن

«وَأَطَابَ سَرِيرَةً»؛ الثمرة الرابعة هي أن يطهّر الإنسان باطنه. «أطاب» من جذر «طيب»، بمعنى التطهير والتنقية، و«سريرة» تعني الباطن. فالإنسان المتقي يطهّر باطنه من الحقد والحسد والخيانة والتلوّث ويزيّنه.

إنّ كثيراً من الناس يسعون إلى تنظيف ظاهرهم. فيزيّنون ظاهرهم، لكنّ باطنهم يكون قبيحاً جداً. فقد يكون ظاهر أحدهم أنيقاً، بينما يكون داخله مملوءاً بالشرّ والظلم والجريمة.

يقول مولانا:

ظاهرك كقبر الكافر المليء بالخللومن داخلك غضب الله عزّ وجلّ

ومن الخارج تطعن على بايزيدوفي داخلك يزدري يزيد

فاذهب فأحرق هذه الجبّة النجسةوهذا الرداء والعمامة والسواك

إن كان ظاهرك موافقاً لباطنكأمكنك أن تهتدي إلى الحق قليلاً

وإن خالف باطنك ظاهركفقد هويت منكبّاً في جهنّم

ينبغي أن يكون الظاهر والباطن واحداًكي تجد طريق الحق ولو قليلاً

مولانا

إنّ أعداء الإسلام والكفار لهم أيضاً ظاهر أنيق؛ يرتدون الملابس المرتّبة ويزيّنون ظاهرهم، لكنّ باطنهم ملوّث وقذر ولا نصيب لهم من الحقائق.

وهناك أناس يزيّنون ظاهرهم، من أجل خداع الناس، على هيئة أبي ذر وسلمان، لكنّ باطنهم كأبي سفيان:

ظاهرك كأبي ذر وسلمانوباطنك كأبي سفيان

وقد أشار الشيخ البهائي أيضاً إلى هذه المسألة في قصيدة الخبز والحلوى:

ما الخبز والحلوى؟ الجبّة والصوف والرداء والشالوهذا المقام فخر وشمس اقتباس

متى يحصل أحد على ذلك في لباسهمن هذا الرداء والجبّة، يا سيّئ الطبع

الشيخ البهائي

المتقي هو من يكون باطنه طاهراً ونقيّاً، ولا يكون في باطنه أيّ غشّ أو عداوة أو حقد أو حسد أو سوء. وهذه إحدى أهمّ ثمرات التقوى.

٥. تعمير الآخرة

«وَعَمَّرَ مَعَادًا»؛ النتيجة الخامسة هي أن يعمّر الإنسان آخرته. و«عَمَّرَ» تعني التعمير والإعمار. فالإنسان المتقي يعمّر معاده وآخرته بأعماله.

٦. إعداد الزاد

«وَاسْتَظْهَرَ زَادًا»؛ استظهار الزاد يعني أنّه أعدّ زاده وحزمه. ففي الماضي، كان من يريد السفر يضع أمتعته ومؤنه على دابّته. وعندما كان يربط جميع أغراضه على الدابة، كان يتّضح أنّه يقصد السفر.

«زاد» يعني المؤونة. فالإنسان المتقي قد أخذ زاده وحزمه؛ أي إنّه استعدّ لسفره.

ولأيّ مكان هذا الزاد؟

«لِيَوْمِ رَحِيلِهِ، وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ»

لقد أعدّ الإنسان المتقي زاده ليوم الرحيل، يوم الارتحال والسفر؛ وللطريق الذي ينبغي أن يسلكه، وللمقصد الذي ينبغي أن يصل إليه، وللمكان الذي سيستقرّ فيه، وللموطن الذي يحتاج فيه إلى الزاد. ولذلك فقد أعدّ زاده كاملاً ولم يترك شيئاً ناقصاً.

إرسال الزاد مسبقاً إلى الدار الأبدية

ومن الصفات الأخرى التي يذكرها الإمام للإنسان المتقي:

«وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ»

إنّ الإنسان المتقي قد أرسل مسبقاً كلّ ما يحتاج إليه هناك. و«دار المقام» تعني البيت الخالد والأبدي؛ أي البيت الذي ينبغي للإنسان أن يبقى فيه إلى الأبد.

إنّ الإنسان يحمل زاده معه أحياناً، ويرسله مسبقاً أحياناً أخرى. وإرسال الزاد مسبقاً أمر بالغ الأهمية. فمن يفكّر في ذلك المكان يرسل إليه شيئاً مسبقاً.

من أين تعلمون أنّ أحداً سيرسل إليكم شيئاً بعدكم أو يقوم بعمل من أجلكم؟ ستبقى أموالكم، ولا يُعلم في يد من ستقع؛ ستصل إلى الأبناء والورثة، لكن لا يُعلم هل يقومون بعمل من أجلكم أم لا. فأرسلوا زادكم بأنفسكم مسبقاً.

افترضوا أنّكم تريدون السفر. فإذا أرسلتم جميع الأغراض مسبقاً، فعندما تصلون إلى المقصد يكون كلّ شيء جاهزاً ويُستقبل بكم. أمّا إذا حملتم أمتعة السفر معكم، فإنّكم حين تصلون إلى المقصد لا تستفيدون من السفر شيئاً بسبب التعب. ومن النفيس أن يرسل الإنسان أغراضه مسبقاً، لكي يكون كلّ شيء جاهزاً عند وصوله.

ولهذا السبب، جرى التأكيد كثيراً في رواياتنا على أن يرسل الإنسان زاده مسبقاً، وأن يقوم بيده في هذه الدنيا بعمل من أجل آخرته.

ورد في رواية أنّ رجلاً كانت له أموال كثيرة، وقد بقيت له كميات وفيرة من التمر. وكان قد أوصى بأن يتصدّقوا بذلك التمر بعد وفاته. فقال رسول الله الأكرم (ص) إنّه لو تصدّق بتمرة واحدة من ذلك التمر بنفسه، لكان ثوابها أكبر من ثواب كلّ ذلك التمر الذي يُتصدّق به بعده.

إذا قام الإنسان بيده بنفسه بعمل صالح، فهو أفضل من كلّ الخيرات التي يقوم بها الآخرون من أجله بعد ذلك؛ لأنّ أمواله قد تبقى، وقد يقوم ورثته بعمل صالح من أجله أو لا يقومون.

نقل المرحوم الشيخ الصدوق في كتاب الأمالي، الصفحة ١٧٢، إحدى كلمات أمير المؤمنين عليه‌السلام. قال الإمام في إحدى خطبه:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ وَقَالَ النَّاسُ: مَا أَخَّرَ؟ فَقَدِّمُوا فَضْلًا يَكُنْ لَكُمْ، وَلَا تُؤَخِّرُوا كَلًّا يَكُنْ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ مَالِهِ، وَالْمَغْبُوطَ مَنْ ثَقُلَتْ بِالصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَاتِ مَوَازِينُهُ.

أمير المؤمنين علي (ع)|أمالي الشيخ الصدوق

يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام: عندما يموت العبد، تقول الملائكة: «ما الذي قدّمه؟» أمّا الناس فيقولون: «ما الذي خلّفه؟»

انظروا إلى الفرق بين نظرة الناس ونظرة الملائكة. فالناس يسألون عمّا خلّفه، بينما تسأل الملائكة عمّا قدّمه. ولذلك يقول الإمام: قدّموا فضولكم وزوائدكم لتكون لكم، ولا تؤجّلوا شيئاً يصبح وبالاً عليكم.

وليس المقصود أن تتركوا ضروريات الحياة، بل قدّموا مسبقاً كلّ ما زاد على حاجتكم من الثروة والمال والإمكانات. وكلّ ما قدّمتموه مسبقاً يبقى لكم. أمّا ما تخلّفونه فليس بالضرورة أن يكون لكم، لكن ما قدّمتموه مسبقاً هو لكم حقيقةً.

يوصي كثير من الناس بأن تُقام لهم بعد وفاتهم الصلاة والصيام ومجالس العزاء أو الخيرات، لكن من الذي يضمن أن يعمل الورثة بوصاياهم؟ إنّ كثيراً من الوصايا تبقى ولا يكون الأبناء والورثة مستعدّين للعمل بها. يقول الإمام: لا تتركوا شيئاً للغد؛ لأنّ ما تخلّفونه قد يكون في ذمّتكم وضارّاً بكم.

ومن جمع أمواله ثم انتفع بها بعده أناس مخالفون للدين ولأهل البيت عليهم‌السلام، فعليه أن يعلم أنّ إثمه وضرره سيصلان إليه أيضاً؛ لأنّه هو الذي جمع تلك الأموال وتركها لهم.

«فَإِنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ مَالِهِ»؛ المحروم هو من حُرم خير ماله. فقد كانت لديه أموال كثيرة، لكنّه لم يستطع أن ينتفع بها لآخرته، وبقيت أمواله بعده.

«وَالْمَغْبُوطَ مَنْ ثَقُلَتْ بِالصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَاتِ مَوَازِينُهُ»؛ المغبوط هو من يغبطه الآخرون؛ أي يقولون: ليتنا كنّا مثله. وهو من أثقل ميزان أعماله بالصدقات والخيرات.

يقول الله تعالى:

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾
سورة الأنبياء، الآية ٤٧

إنّ لبعض الناس في القيامة موازين أعمال ثقيلة، وينبغي أن يُغبطوا على حالهم. والغبطة تختلف عن الحسد. فالحسد مذموم، أمّا الغبطة فتعني أن يقول الإنسان: ليتني كنت مثله، وقمت بمثل هذه الأعمال الصالحة.

تكون الغبطة ذات قيمة عندما ينظر الإنسان إلى الآخرين في المفاهيم السامية والقيم والخيرات ويقول: «ليتني كنت مثله.» أمّا في الأمور الدنيوية، فالغالب أنّ الموجود هو الحسد. فمثلاً يرى الإنسان أموال الآخرين أكثر من أمواله ويقول: «ليت لديّ أنا أيضاً مثل هذه السيارة.» وهذه الأمنية لا قيمة كبيرة لها ولا تُعدّ غبطة.

لكن إذا رأى الإنسان شخصاً يتصدّق، كثير العطاء، ويقوم بالأعمال الصالحة، وقال: «ليتني كنت مثله»، فهذه غبطة وليست حسداً. وإذا نظر الإنسان إلى كمالات شخص وتمنّى أن يكون مثله، فقد اغتبط به؛ لأنّ ذلك الشخص ينتفع بكمالاته وأعماله الصالحة، أمّا امتلاك سيارة أو مال أكثر فلا قيمة معنوية له في ذاته.

ولذلك يقول الإمام: «وَالْمَغْبُوطَ»؛ أي الذي يغبطه الآخرون؛ «مَنْ ثَقُلَتْ بِالصَّدَقَاتِ وَالْخَيْرَاتِ مَوَازِينُهُ»؛ أي من أثقل ميزان أعماله بالصدقات والخيرات. فهذا الشخص قد أثقل ميزان أعماله يوم القيامة، وهو جدير بأن يُغبط.

ومن خصائص المتقين أيضاً أنّهم أرسلوا زادهم مسبقاً إلى دارهم الأبدية، أي إلى الجنة.

قَدَّمَ لِدَارِ الْمُقَامَةِ

إنّ تعبير «دار المقامة» أخذه أمير المؤمنين (ع) من القرآن الكريم. فكثير من تعبيرات أمير المؤمنين (ع) مقتبسة من آيات القرآن. يقول الله تعالى في سورة فاطر عن أهل الجنة:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
سورة فاطر، الآية ٣٤

ما إن يدخل أهل الجنة الجنة حتى يقولوا: «الحمد والثناء لله الذي أذهب عنّا الحزن.» فالدنيا مليئة بالحزن والأسى، لكنّ الله تعالى قد أذهب عنهم ذلك الحزن والأسى. ثم يقولون: «إنّ ربّنا لغفور شكور.»

إنّ «غفور» و«شكور» كلاهما صيغتا مبالغة. فـ«غفور» تعني أنّ الله تعالى كثير المغفرة ويقبل جميع طلبات المغفرة. و«شكور» تعني كثير الشكر. فهل إنّ الله تعالى شكور؟ نعم؛ أي مهما تشكروا، يمنحكم الله نعماً أكثر.

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
سورة إبراهيم، الآية ٧

إنّ كون الله تعالى «شكوراً» يعني أنّه يجازي شكر عباده بزيادة النعمة. فالله تعالى «غفور» و«شكور» معاً.

﴿ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
سورة فاطر، الآية ٣٥

لقد أسكننا الله في «دار المقامة»؛ البيت الذي يجد الإنسان فيه الراحة والثبات، ولا يوجد فيه أيّ اضطراب. و«دار المقامة» تعني موضع الراحة والإقامة.

وهذه النتيجة ليست من أعمالنا وحدها، بل إنّ الله تعالى يعاملنا بفضله وعنايته. ولذلك فإنّ تعبير «دار المقامة» الذي ذكره أمير المؤمنين (ع) مأخوذ من هذه الآية الشريفة.

نأمل أن تحظى هذه الصفات والنتائج التي ذكرها أمير المؤمنين (ع) في هذه الخطبة القيّمة باهتمامنا جميعاً، وأن نرسل زادنا مسبقاً لآخرتنا.

إذا أردنا أن نفعل شيئًا لأنفسنا، فعلينا أن نفعله في هذه الدنيا، وألا نتركه للآخرين كي يفعلوه من أجلنا بعد وفاتنا. فلا يُعلم أن الآخرين سيقومون بمثل هذا العمل؛ بل إن العكس هو الأرجح. وقلّما يوجد شخص يموت فيقوم ورثته بأعمال الخير من أجله. ففي كثير من الحالات ينفقون أمواله ويتلفونها، ولا يبقى لذلك الميت المسكين إلا الشتائم وسوء القول.

إن شاء الله، تكون كلمات أمير المؤمنين (ع) نموذجًا لنا في تفكيرنا، وأن نبقى دائمًا متذكّرين لها.

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ.