الخطبة الثالثة والثمانون
الجلسة الرابعة
فهرس الدورة
التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.
أعوذ بالله من الشیطان الرجیم. بسم الله الرحمن الرحیم. الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام علی أشرف الأنبیاء والمرسلین، حبیب قلوب الصادقین، أبیالقاسم المصطفی محمد. اللهم صل علی محمد وآل محمد واجعلنا فداه. وعلی أهل بیته الطیبین الطاهرین، واللعن الدائم علی أعدائهم أجمعین من الآن إلی قیام یوم الدین.
وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءُ، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ، وَالرِّفَدِ الرَّوَافِدِ، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ، فَأَحْصَاكُمْ عَدَدًا، وَوَظَّفَ لَكُمْ مُدَدًا، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ، وَدَارِ عِبْرَةٍ.
دوافع التقوى وعللها
في الجلسة الرابعة من شرح الخطبة ٨٣ من نهج البلاغة، وصلنا إلى مقطع يوصي فيه أمير المؤمنين (ع)، بعد حمد الله والشهادة برسالة النبي (ص)، بالتقوى. ولا تقتصر كلمات الإمام على الوصية، بل إنه يبيّن أيضاً، من أجل إيجاد الدافع، علل التقوى وأسبابها. ويعدّد الإمام في هذا المقطع عشر نقاط، وقد أشرنا في الجلسة الماضية إلى بعض منها.
إن أفضل ما يضمن سعادة الإنسان هو التقوى؛ ولذلك تكررت الوصية بها في القرآن ونهج البلاغة. وقد وردت في القرآن الكريم، إضافة إلى الاستخدامات المتعددة لمشتقات هذه الكلمة، كلمة «التقوى» نفسها مراراً. وهذا التكرار دليل على أهمية التقوى؛ لأن ما يضمن سعادة الإنسان الأبدية هو التحلي بالتقوى والسير في طريقها.
إن عبارات هذا المقطع معطوفة، من الناحية الأدبية، على الجملة الأولى للإمام، أي «بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ». ولذلك يمكن اعتبار كل واحدة منها مسبوقة بتعبير «بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي»؛ مثل «اللَّهِ الَّذِي أَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ». ففي جميع هذه العبارات، الله تعالى هو الموصوف، وهذه الجمل تبيّن صفاته.
الإحاطة الكاملة بأعمال الإنسان
يقول الإمام: «وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءُ». ومن دوافع التقوى الأخرى أن الإحصاء الإلهي محيط بالإنسان. و«أحاط» مأخوذة من «حائط»، بمعنى الجدار؛ أي كأن الله تعالى قد أقام حول جميع أعمالكم جداراً، ووضعها كلها في حصار إحصائه.
والإنسان كمن حوصر في قلعة، ولا يستطيع من أي جهة أن يخرج من نطاق المراقبة. فالسماء والأرض والجدار والباب وجميع الأشياء المحيطة بالإنسان تشبه الكاميرات، وتسجّل أعماله. وجميع تصرفات الإنسان تخضع للإحصاء والعد. وإن الالتفات إلى مثل هذا الإله يدفع الإنسان إلى مراقبة سلوكه.
جزاء الأعمال بالمرصاد
النقطة السادسة هي: «وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ». و«رصد» بمعنى الكمين.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ
﴾يقول أمير المؤمنين (ع) إن الله تعالى جعل جزاء أعمالكم بالمرصاد؛ أي إن جزاء كل عمل قبيح تقومون به يتبعه، ولا يبقى أي عمل سيئ من دون عقاب، كما لا يبقى أي عمل صالح من دون ثواب. فجزاء كل عمل بالمرصاد لذلك العمل نفسه.
يقول القرآن الكريم:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ
﴾في يوم القيامة تُنصب موازين العدل، ولا يُظلم أحد. فإذا كان أحد قد قام بعمل، خيراً كان أم شراً، بمقدار حبة خردل، أحضره الله تعالى وحاسبه عليه.
فمن دوافع التقوى وعللها الأخرى أن جميع أعمال الإنسان مرصودة، وأن وراء كل عمل جزاء.
النعم الظاهرة والباطنة الشاملة
يقول الإمام بعد ذلك: «وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ». و«الإيثار» بمعنى التفضيل. لقد فضّل الله تعالى الإنسان على سائر الموجودات، ووضع تحت تصرفه نعماً كثيرة لا تنفد؛ وهي نعم لا تتوافر للموجودات الأخرى بهذه الصورة.
يقول القرآن الكريم:
﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً
﴾و«أسبغ» بمعنى التوسعة والإكثار. لقد بسط الله تعالى نعمه الظاهرة والباطنة على الإنسان.
وتشمل النعم الظاهرة أموراً مثل الصحة والرزق والجمال. أما النعم الباطنة فهي أن يذنب الإنسان، ثم يتوب ويرجع إلى الله؛ فيقبل الله توبته، ولا يطّلع أحد على ذنبه. ويرتكب الإنسان أخطاء، فيتجاوز الله تعالى عن تلك الأخطاء من دون أن يعلم بها الآخرون. وهذه من النعم الباطنة لله تعالى.
تسخير الموجودات للإنسان
لقد سخّر الله تعالى للإنسان ما في السماوات والأرض. ونرى اليوم أيضاً أن الإنسان يسافر نحو الأجرام السماوية، ويجعل السماوات تحت تسخيره.
ويمكن أن يكون الجن أيضاً مسخّرين للإنسان. فالإنسان يستطيع، ببعض التمارين والرياضات، أن يسيطر عليهم ويجعلهم مطيعين له؛ غير أن إدراكهم أدنى من إدراك الإنسان، وقد نقل الذين مارسوا هذا المجال حالات كثيرة من سلوكهم الخاطئ وفهمهم الناقص.
وقد يطرح سؤال، وهو: هل يشمل تعبير «سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ» الملائكة أيضاً؟ والجواب أن الملائكة مطيعون أيضاً، لكنهم مطيعون لأولياء الله. فالملائكة مسخّرون للنبي الأكرم (ص) والأئمة (ع) وسائر أولياء الله. وفي ليالي القدر، تنزل الملائكة على الإمام المعصوم (ع)، وهذا النزول علامة على طاعتهم.
إذن، فإن كل ما في السماوات والأرض قد سُخّر للإنسان على نحو من الأنحاء. وقد يصبح الجن مسخّرين للآخرين أيضاً من خلال العمل والتمرين، أما الملائكة فهم مسخّرون لأولياء الله والمعصومين والأنبياء (ع).
الهبات الإلهية الكثيرة
يقول الإمام: «وَالرِّفَدِ الرَّوَافِدِ». و«رِفد» بمعنى الهدية والإنعام، و«روافد» بمعنى الكثرة والتتابع. لقد أنعم الله تعالى على الإنسان بهبات وإنعامات كثيرة.
ثم يقول: «وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ». لقد أنذركم الله تعالى بالحجج البالغة، وأيقظكم، وحذّركم من عواقب أعمالكم. و«بوالغ» جمع «بالغ»، بمعنى البليغ والوافي. فالأنبياء، وكلماتهم، والقرآن الكريم، وسائر الكتب السماوية، حجج بالغة أطلعت الإنسان على نتائج أعماله.
إحصاء البشر وتحديد مدة الحياة
يقول أمير المؤمنين (ع) بعد ذلك: «فَأَحْصَاكُمْ عَدَدًا». وهذا الإحصاء هو إحصاء البشر أنفسهم؛ في حين أن الإحصاء السابق كان متعلقاً بعدّ أعمالهم الصالحة والسيئة. لقد أحصى الله تعالى جميع البشر بدقة.
ثم يقول: «وَوَظَّفَ لَكُمْ مُدَدًا»؛ أي جعل لكل واحد منكم مدة معينة. فعمر كل إنسان له مقدار ونهاية محددان.
الدنيا؛ موضع الاختبار ودار العبرة
يقول الإمام: «فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ، وَدَارِ عِبْرَةٍ». لقد أُسكن البشر في قرار هو موضع الاختبار والامتحان، ودار العبرة.
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى
﴾أفيظن الإنسان أنه خُلق عبثاً، وأنه يُترك من دون حساب؟
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
﴾إن جميع البشر يخضعون للاختبار. فالدنيا، في أساسها، قرار للامتحان. حتى النبي سليمان (ع)، مع ما كان له من مكانة وعظمة، ابتُلي.
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ
﴾ابتلاء النبي سليمان (ع) بولده
كان للنبي سليمان (ع) قدرة هائلة، وكان يحكم الجن والإنس. ومن الطبيعي أن يرغب حاكم بهذه القدرة في ولد يواصل حكمه. وكان من جملة أماني النبي سليمان (ع) أن يهب الله تعالى له ولداً ليسلّمه حكمه.
وقد ورد في الروايات أن النبي سليمان (ع) اتخذ زوجات عديدة، أملاً في أن يُرزق بولد وينتقل الحكم إليه. وقد نقلت أعداد مختلفة بشأن عدد زوجاته، تتراوح بين سبعمائة وألف امرأة. وكانت بلقيس، حاكمة أرض سبأ أو اليمن الحالية، إحدى النساء المرتبطات بقصة النبي سليمان، فقد جاءت إليه وآمنت وصارت موحّدة. وقد اختلفت الروايات أيضاً بشأن زواجها من النبي سليمان؛ فقبلته بعض الروايات ورفضته أخرى.
وقد ورد في بعض الروايات أن الله تعالى وهب النبي سليمان (ع) ابناً بالغ الجمال، وكان يأمل فيه كثيراً؛ لكنه عند ولادة هذا الابن غفل عن قول «إن شاء الله»، فاختبره الله تعالى بهذا الابن نفسه وأخذه منه.
الولد؛ نعمة ووسيلة للابتلاء
الأبناء وسيلة للابتلاء. وينبغي للإنسان أن يكون شاكراً، وأن يسأل الله ألا يبتليه بسبب الولد على نحو يوقعه في الغفلة. ويجب أن يكون كل اهتمام الإنسان منصبّاً على الله. فالولد نعمة إلهية ومن أعظم النعم، وينبغي للإنسان أن يلتفت دائماً إلى أن الله تعالى هو الذي منحه هذه النعمة العظيمة.
يقول القرآن الكريم:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
﴾قال أحد فقهاء أهل السنة، وكان من تلامذة الإمام الصادق (ع)، في تفسير «النعيم» إنه الطعام والشراب. فقال له الإمام:
خداوند منزهتر و بزرگوارتر از آن است که به بندگانش غذا و روزی بدهد و سپس آنان را به سبب همان نعمت بازخواست کند.
ومن مصاديق النعيم الولد الصالح الطيب، الذي يُسأل الإنسان عنه. ولذلك ينبغي للإنسان أن يولي ابنه عناية بالغة، وأن يعلم أنه نعمة عظيمة من جانب الله. وقد وردت توجيهات وتعاليم للأب والأم منذ ما قبل الولادة، وعند الولادة، وفي المراحل الأخرى. وقد ورد في هذه الرواية أيضاً أن النبي سليمان (ع) لم يقل «إن شاء الله» عند الزواج وطلب الولد.
وقد تسبب ذلك في أن يأخذ الله تعالى منه ذلك الولد الذي كان النبي سليمان (ع) يأمل فيه كثيراً.
وقد ورد في بعض الروايات أن عزرائيل جاء ذات يوم إلى النبي سليمان (ع)، وكان ابنه حاضراً هناك أيضاً. فنظر عزرائيل إليه، فأدرك النبي سليمان (ع) أن خبراً ما على وشك الوقوع، وأن عزرائيل مكلّف بأمر يتعلق بهذا الابن.
وبناءً على بعض الروايات التي لا تثبت صحتها قطعاً، طلب النبي من عدد من الجن الأقوياء أن يخفوا ابنه في مكان ما. فبعض الجن، رغم امتلاكهم قدرة خارقة، ضعيفو الإدراك. وقد قبل أحدهم أن يحمل الطفل إلى السماوات ويحميه هناك؛ لكن جسد ابن النبي الخالي من الروح أُلقي في النهاية على سريره:
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ
﴾خرج النبي سليمان (ع) من غفلته، واستغفر، فقبل الله تعالى توبته أيضاً. فالله تعالى يبتلي حتى نبيّه سليمان (ع). لقد كان النبي يأمل أن ينتقل حكمه وسلطانه إلى ولد صالح، ولذلك تعلق قلبه بذلك الولد، بدلاً من أن يطلب من الله وحده ويتوكل عليه.
و«الجسد» بمعنى الجسم الخالي من الروح. وبناءً على هذا التفسير، وُضع جسد ابن النبي الخالي من الروح على سريره. وقال بعضهم أيضاً إن النبي سليمان (ع) نفسه مرض، وسقط على سريره كجسد بلا روح، لكن هذا الرأي قد رُدّ.
الدنيا؛ موضع الاختبار والحساب والعبرة
إن جميع البشر عرضة للابتلاء؛ لأن الدنيا موضع الفتنة والاختبار. يقول أمير المؤمنين (ع):
وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ، وَوَظَّفَ لَكُمُ الْمُدَدَ، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ، وَدَارِ عِبْرَةٍ. أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا، وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا.
لقد أنذركم الله تعالى بالحجج البالغة، وجعل لكم آجالاً محددة. وأنتم تقيمون في موضع هو مركز الاختبار ودار العبرة.
الدنيا «دار عبرة»؛ وينبغي للإنسان أن يعتبر من سِيَر الظالمين والجائرين، وأن ينظر إلى ما فعلوه عبر التاريخ وإلى ما آل إليه مصيرهم. كما ينبغي له أن يتأمل في مصائر الأقوام الماضية، ويرى ما حلّ بهم.
«أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا»؛ إنكم تُختبرون في هذه الدنيا. «وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا»؛ وستحاسبون على هذه الدنيا نفسها وعلى الأمور التي كانت لكم فيها. وما يكون موضوع الحساب هو سلوككم وشؤونكم الدنيوية نفسها.
حب الدنيا؛ أساس فقدان التقوى
أوصى أمير المؤمنين (ع) أولاً بالتقوى، ثم بيّن دوافعها في عشرة عناوين؛ وهي عناوين يمثل كل واحد منها مصباحاً للتقوى وعاملاً لإيجاد الدافع في الإنسان.
وبعد البحث في التقوى، يطرح سؤال مهم: ما العامل الذي يجعل الإنسان يفقد تقواه، ويختار في الدنيا طريقاً مخالفاً للتقوى؟ والجواب هو ميله إلى الدنيا وتعلقه بها. وقد ورد في الروايات:
حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ.
ولذلك يبيّن أمير المؤمنين (ع)، بعد الوصية بالتقوى، أسباب النفور من الدنيا. ويعدّد الإمام للدنيا ثماني خصائص، يؤدي الالتفات إليها إلى أن يدرك الإنسان انعدام قيمة الدنيا، ويبتعد عن التعلق بها. ويبدأ هذا المقطع بالعبارة التالية:
فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا.
ويُترك بحث هذه الخصائص الثماني إلى البحث القادم.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.