الخطبة الثالثة والثمانون
الجلسة السابعة
فهرس الدورة
الخطبة الأولى13 جلسة
التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، حَبِيبِ قُلُوبِ الصَّادِقِينَ، أَبِیالْقَاسِمِ الْمُصْطَفَىٰ مُحَمَّدٍ. اللهم صل على محمد وآل محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قیام یوم الدین.
العودة من مشهد القيامة إلى الدنيا
نحن في الجلسة السابعة في محضر الخطبة ٨٣ من نهج البلاغة. ذكرنا في الجلسة السابقة أن أمير المؤمنين (ع) قد رسم مشهد البعث والقيامة. وفي هذه الجلسة يعود الإمام إلى الدنيا، ويتناول أوضاع الناس فيها.
يطرح الإمام في هذه العودة إلى الدنيا وبيان أوضاع الناس ثلاثة عشر أمراً:
١. خمسة أمور تتعلق بالوضع الجبري للإنسان، أي الأمور التي يقرّ جميع الناس بأنهم مجبرون فيها. ٢. ثلاثة أمور تتعلق بالبعث. ٣. خمسة أمور أخرى تتعلق بمشهد اختيار الإنسان.
نبدأ بدراسة الأمور الخمسة المتعلقة بجبر الإنسان.
عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَارًا، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَارًا، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَارًا، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثًا، وَكَائِنُونَ رُفَاتًا، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَادًا، وَمَدِينُونَ جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَابًا.
١. خلق الإنسان
يقول الإمام: «عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَارًا».
يمكن حمل كلمة «عباد» على معنيين: أحدهما بمعنى العبيد، والآخر بمعنى المملوكين، في مقابل المولى. فالناس عباد مخلوقون ومملوكون لله تعالى؛ أي إن مالك الجميع هو الله.
«مخلوقون» تعني المخلوقين. لقد خُلق الإنسان بقدرة الله تعالى. ولذلك فإن الإنسان مجبر في خلقه، وليس خلقه باختياره.
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
﴾يقول بعض الناس: «لم نكن نريد أن نخلق أنفسنا، ولم نكن نرغب في أن يخلقنا الله». والجواب أن يقال: هل كنتم موجودين حتى تكون لكم إرادة، فتريدوا أو لا تريدوا؟ لم تكونوا موجودين أصلاً عند الخلق. ولذلك فإن خلق الإنسان جبري وليس بيده.
لم يشاور الله الإنسان ليسأله هل يريد أن يأتي إلى الدنيا أم لا. فلا دخل لاختيار الإنسان في الخلق. وهذا أول أمر جبري للإنسان.
٢. نمو الإنسان وتربيته
الأمر الجبري الثاني هو نمو الإنسان. يقول الإمام: «وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَارًا».
«رَبّ» يعني المربّي والمنمّي. و«مربوبون» تعني المربَّين والمنمَّين. فالإنسان ينمو بصورة جبرية.
يأتي الجنين إلى الدنيا، ثم يمر بمرحلة الطفولة والمراهقة والشباب والشيخوخة. وليس أيّ من هذه المراحل باختيار الإنسان. فسواء أراد الإنسان أم لم يرد، فإنه ينتقل من الولادة والطفولة إلى المراهقة والشباب، ثم يهرم.
إذن، أول جبر للإنسان هو خلقه وإيجاده، وثاني جبر هو نموه وتربيته. و«الاقتسار» يعني الإجبار. وفي اصطلاح الفلسفة، تسمى الحركة التي تقع بصورة إجبارية «الحركة القسرية»، كالحجر الذي يُرمى نحو السماء ثم لا بد أن يعود إلى الأرض. فجاذبية الأرض تجذبه إلى الأسفل، ولا يستطيع الحجر منع هذه الحركة.
وعليه، فإن «مربوبون اقتساراً» تعني أنكم تُربَّون وتنمون بصورة إجبارية. فخلقكم جبري، ونموكم كذلك جبري.
٣ قبض الروح
الأمر الجبري الثالث هو قبض الروح. يقول الإمام: «وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَارًا».
«القبض» يعني الاستلام. ويُستعمل في البيع والشراء أيضاً تعبير «القبض والإقباض» بمعنى التسليم والاستلام. و«مقبوضون» تعني أن أرواحكم تُستلم؛ وهو ما نعبّر عنه بـ«قبض الروح».
وللاحتضار معنيان: أحدهما الحضور في محضر الله تعالى، والآخر الحالة التي تحضر فيها الملائكة الإلهية عند الموت لقبض روح الإنسان. وتسمى حالة الإنسان عند الموت حالة الاحتضار.
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
﴾يستلم الله تعالى روح الإنسان في حالتين. إحداهما كل ليلة عند النوم. فالإنسان ينام كل ليلة، ويستلم الله روحه. وهذا تعليم للإنسان للموت. ثم يبعث الإنسان في النهار ويحييه من جديد.
وعليه، فإن الإنسان يختبر الموت والحياة مراراً طوال حياته: يموت كل ليلة، ثم يحيا من جديد في الصباح. يستلم الله روح الإنسان عند النوم ليلاً، ثم يعيدها إليه صباحاً.
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ
﴾والله تعالى قاهر وقادر على عباده، وقد جعل للإنسان حَفَظة. فلكل واحد منا ملائكة يحرسونه. وللطفل حَفَظة منذ بداية ولادته يرعونه، وتستمر هذه الحراسة في مختلف مراحل حياته.
وعندما يحين موت الإنسان، فليس عزرائيل وحده هو الذي يقبض روحه، بل إن لعزرائيل أعواناً. يقول القرآن: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا»؛ أي إن رسلنا يستلمون روحه. فيقبض عزرائيل وأعوانه روح الإنسان، ويستلمونها على النحو الدقيق الذي ينبغي أن تكون عليه.
إذن، فإن الأمر الجبري الثالث للإنسان هو حالة الاحتضار وقبض الروح. وليس للإنسان أي اختيار في قبض روحه. فسواء أراد أم لم يرد، تُقبض روحه.
٤ وضع الإنسان في القبر
الأمر الجبري الرابع هو أن الإنسان يوضع في القبر. يقول الإمام: «وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثًا».
«مُضَمَّن» مشتق من «ضِمْن»، أي وضع شيء في ضمن شيء آخر. و«أجداث» تعني القبور. ويوضع الإنسان في القبر من دون اختياره.
فالإنسان مجبور في خلقه، ومجبر في نموه، ولا اختيار له عند الاحتضار وقبض الروح، كما لا اختيار له في وضعه في القبر.
والإنسان يُبعث من القبر نفسه الذي دُفن فيه. كان المتوكل قد أرسل مأمورين لاستحضار الإمام الهادي (ع). وكان المأمورون يسوقون الإمام عبر طريق صحراوي. فقال الكاتب والمسؤول عنهم للمأمورين: إن هذا الشخص، أي الإمام الهادي (ع)، يقول إن الإنسان إذا مات في أي مكان، حتى لو مات في الصحراء ووادي برهوت، فإنه يُبعث من المكان نفسه. ثم أخذوا يضحكون على الإمام ويسخرون منه.
سمع الإمام الهادي (ع) كلامهم، فقال لهم في الطريق: سيأتي برد شديد في طريق العودة، فليحمل كل واحد منكم معه لباساً دافئاً. لكنهم لم يلتفتوا إلى كلام الإمام. وعند عودتهم، جاء برد شديد جداً، فمات عدد منهم في ذلك البرد. فدفنوهم في الصحراء نفسها؛ وهي الصحراء التي سخر فيها الكاتب من كلام الإمام بشأن بعث الإنسان من مكان موته.
بعد ذلك قال الإمام للكاتب: ادفن هؤلاء هنا. فلما دفنوهم، قال الإمام: من أين يُبعث هؤلاء من جديد؟ من المكان نفسه الذي دُفنوا فيه.
فالإنسان يخرج من المكان نفسه الذي دُفن فيه. وإذا كان جسده قد صار في بطن طائر، فإنه يُبعث من ذلك المكان. ولا فرق في المكان الذي دُفن فيه الإنسان؛ فهذه حقيقة وأحد الأمور الجبرية للإنسان.
٥ بلى الجسد
الأمر الجبري الخامس هو بلى الجسد. يقول الإمام: «وَكَائِنُونَ رُفَاتًا».
«كائنون» تعني «صائرون»، أي المتحوّلون والصائرون إلى شيء آخر. يوضع الإنسان في القبر، ويتحلل جسده هناك. و«رفات» تعني البِلى والاهتراء والزوال.
﴿ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
﴾كان منكرو المعاد يقولون بسخرية: عندما نصير عظاماً ويبلى جسدنا، فهل نُبعث ونُخلق من جديد؟ كانوا يقولون إنه لن تكون هناك خلقة بعد ذلك.
فهذه الأمور الخمسة تشكّل مرحلة جبر الإنسان. فالإنسان لا يملك اختيار جميع أموره في حياته:
- لا يملك اختيار خلقه وإيجاده.
- لا يملك اختيار نموه ومراحل حياته.
- لا يملك اختيار قبض روحه.
- لا يملك اختيار مكان دفنه.
- لا يملك اختيار بلى جسده واهترائه.
لا يستطيع الإنسان أن يقول: «لم أكن أريد أن أُخلق». فهو لم يكن موجوداً عند الخلق، ولم يكن له اختيار في هذا الأمر. كما أن نموه ليس باختياره. فسواء أراد أم لم يرد، تُقبض روحه، ويوضع في القبر، ويبلى جسده ويتحلل.
ثلاثة أمور تتعلق بالبعث
بعد الأمور الخمسة المتعلقة بجبر الإنسان في الدنيا، يشير الإمام إلى ثلاثة أمور تتعلق بالبعث.
٦ البعث بصورة فردية
يقول الإمام: «وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَادًا». يُبعث الناس، لكنهم يكونون وحدهم عند بعثهم.
﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ
﴾يخرج الناس من القبور بسرعة، لكن ليس لهم شريك ولا رفيق. فكما وُضع الإنسان وحيداً في القبر، فإنه يُبعث وحيداً أيضاً.
«أفراد» تعني فرداً فرداً، وواحداً واحداً. فكل إنسان يُحشر وحده.
﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
﴾فكما خُلق الإنسان في البداية بصورة فردية، فإنه يُبعث يوم القيامة بصورة فردية أيضاً.
٧ الجزاء
النقطة السابعة هي: «وَمَدِينُونَ جَزَاءً».
يُعطى الإنسان جزاء أعماله؛ جزاء أعمال الخير وجزاء أعمال الشر معاً. وكل إنسان يتلقى نتيجة أعماله.
٨ استقلال حساب الناس
النقطة الثامنة هي: «وَمُمَيَّزُونَ حِسَابًا». فحساب كل شخص مستقل ومحدد.
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
﴾كل إنسان مرتهن بما كسبه بنفسه.
﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ
﴾ولا يحمل أحد وزر ذنب شخص آخر.
«مميّزون حساباً» تعني أن حساب كل شخص محدد ومستقل. وقد يتجمع الناس بعد الحساب في جماعات، ويوضع كل فريق في مقام خاص، لكن عند الحساب يكون كل شخص حاضراً بنفسه، ويؤدي حسابه بنفسه. لا توجد هناك واسطة أو محاباة؛ فحساب كل إنسان هو حسابه هو.
إلى هنا، بيّنت خمسة أمور تتعلق بجبر الإنسان في الدنيا، وثلاثة أمور تتعلق بالبعث. والآن يتناول الإمام خمسة أمور تتعلق باختيار الإنسان.
اختيار الإنسان في الدنيا
إن مبنى الأئمة (ع) في الأبحاث العلمية هو: «لا جبر ولا تفویض، بل الأمر بین الأمرین»؛ فلا جبر مطلق ولا اختيار مطلق، بل أمر بين الأمرين.
فالأشاعرة جبريون، ويقولون إن الإنسان في هذه الدنيا لا دور له، ولا يملك أي اختيار من نفسه. وفي المقابل، ترى جماعة المفوّضة أن الإنسان يملك الاختيار الكامل، وأن جميع أموره قد فُوّضت إليه. أما الرأي الصحيح الذي بيّنه الأئمة (ع)، فهو «الأمر بين الأمرين»؛ فلا جبر مطلق ولا تفويض مطلق.
لقد بيّنا خمسة جوانب من جبر الإنسان: فالإنسان لا اختيار له في خلقه ونموه وبلوغه الشيخوخة وحالة احتضاره وبلى جسده في القبر. والآن يشير الإمام إلى خمسة أمور تتعلق باختيار الإنسان:
قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ، وَأُمِرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرَّيْبِ، وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ، وَأَنَاةِ الْمُرْتَادِ، فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ.
إمهال الإنسان للعثور على طريق الخروج
«قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَجِ»؛ لقد مُنح الإنسان مهلة لكي يجد طريق الخروج.
«مخرج» يعني طريق الخروج. فالإنسان يجد نفسه في الدنيا على طرق ومسارات، واختيار الطريق يقع على عاتقه. وقد أمهله الله لكي يجد طرق الخروج من الضيق والمآزق. وهذا هو اختيار الإنسان في أفعاله. فالإنسان مجبور في خلقه ونموه، لكنه يملك المهلة والاختيار في تقدمه وحركته وتكامله.
الهداية إلى الطريق الواضح
«وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ»؛ لقد هُدي الناس إلى الطريق الواضح.
«سبيل» يعني الطريق، و«منهج» يعني الطريق الواضح والبيّن. فقد منح الله الإنسان مهلة ليختار طريق الخروج، كما هداه إلى الطريق الصحيح.
لقد جاء الأنبياء والأئمة (ع) وأولياء الله والعلماء والكتب السماوية لهداية الإنسان إلى «سبیل المنهج»، أي الطريق الواضح. فمُنح الإنسان مهلة للخروج من المشكلات والمآزق، كما أُري الطريق الواضح أيضاً.
الفرصة للتدارك
«وَأُمِرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ»؛ مُنح الإنسان الفرصة والعمر لكي ينال رضا الله وينجو من العتاب الإلهي.
لقد منح الله الإنسان المهلة، وأوضح له الطريق، ووضع تحت تصرفه عمراً كافياً. ولا يستطيع الإنسان يوم القيامة أن يقول: إلهي، لم يكن لدي عمر؛ ولو كان لدي عمر لما فعلت هذه الأعمال. فقد منح الله الإنسان فرصة كافية ليتدارك ما مضى ويسعى إلى إرضاء ربه.
إزالة ظلمات الشك
«وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرَّيْبِ»؛ لقد أزيلت عنهم ظلمات الشك.
«ريب» يعني الشك، و«سدف» تعني الظلمات. فالشك ظلمة، لكن طرق اكتشاف الحقيقة قد أُضيئت للإنسان. ولا ينبغي للإنسان أن يبقى في الشك، بل عليه أن يخرج منه ويصل إلى الاطمئنان واليقين. فالإنسان يتحرك في حياته بالإيمان واليقين، لا بالشك الدائم.
فـ«سُدَفُ الرَّيْب» تعني ظلمات الشك، وقد تهيأ للإنسان طريق الخروج منها.
إطلاق الإنسان في ميدان السباق
التعبير الخامس للإمام هو: «وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ».
فبعد أن أمهل الله الإنسان، وأراه الطريق، وأرسل إليه الأنبياء والأئمة (ع)، ووضع تحت تصرفه عمراً، وبيّن له طريق الخروج من الشك، تركه في أفعاله.
«خُلو» يعني الترك والإطلاق. فالإنسان ليس مجبوراً في أفعاله، بل تُرك ليختار بنفسه.
و«مضمار» يعني ميدان السباق أو وقت السباق، و«جياد» جمع «جواد»، وتعني الخيول النفيسة المعدّة للسباق. وكان من عادة العرب أن يهيئوا الخيول للسباق. وكانوا يسمون هذا الإعداد «التضمير». فكانوا يربّون الحصان بالطعام، ثم يُجرونه حتى يقوى جسده وتشتد عظامه. وكان مثل هذا الحصان مستعداً للسباق.
والدنيا أيضاً ميدان سباق؛ ميدان السعي إلى بلوغ الخيرات والحسنات. وعلى الإنسان في هذا الميدان أن يجد الطريق الصحيح، وأن يسعى إلى بلوغ السعادة.
التفكر وطلب طريق الحق
ويقول الإمام في تتمة كلامه: «وَأَنَاةِ الْمُرْتَادِ».
«أناة» تعني الصبر والتحمّل والتحرّك بتأمّل. و«مرتاد» هو من يبحث عن الحق والطريق الصحيح. وعليه، فقد أُطلق للإنسان العنان للمسابقة والتفكير واختيار طريق الحق؛ وعليه أن يجد المسار الصحيح بالصبر والتأمّل.
الحركة بمشعل الهداية
«مقتبس» هو من يأخذ شعلةً من النار أو سراجًا لإضاءة الطريق. يجب على الإنسان أن يحمل مشعل الهداية بيده، بالصبر والتحمّل، وأن يتحرّك ببطء ووعي حتى يتّضح الطريق له وللآخرين.
وقد ورد في قصة النبي موسى (ع) أيضًا أنه قال لأهله:
﴿ سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
﴾أي: سأحضر لكم من هناك خبرًا، أو آتيكم بشعلة من النار لتنتفعوا بها.
ويشير حافظ إلى هذا التعبير نفسه فيقول:
أبشر أيها القلب، فإن ذا نَفَسٍ مسيحيٍّ قادمٌومن أنفاسه الطيّبة تفوح رائحة أحدٍ ما
لا تئنّ ولا تصرخ من ألم الفراق، فقداستخرت البارحة، وسيأتي من يغيث
لست وحدي الفَرِحَ بنار وادي أيمنفموسى يأتي إلى هناك راجيًا قبسًا
ليس أحدٌ لا شأن له في حيّكفكلّ امرئ يأتي إلى هناك على طريق هوى
إنّ من يتحرّك في طريق السعادة، ينبغي له أن يحمل هذا المشعل بتأمّل وتحمّل، ويمضي إلى الأمام.
في مهلة العمر
يقول الإمام (ع) في الختام: «فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ»؛ إنّ هذه الحركة تجري خلال الأجل الذي حدّده الله للإنسان، وفي تقلّب الفرص والمهل التي توضع تحت تصرّفه.
وعليه، فللإنسان خمس جهات قهرية وخمس جهات اختيارية. فالإنسان مختار في أفعاله؛ وقد أمهله الله وأطلقه في ميدان المسابقة.
الدنيا فرصة؛ فلا نضيّع الفرص.
أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارُ، وَغَدًا السِّبَاقُ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ
لقد مُنحنا في هذه الدنيا فرصة ومهلة. ولم يُجبر الله الإنسان على أن يمسك بيده في اللحظة نفسها إذا أراد أن يرتكب عملًا سيئًا. فهو يرتكب الذنب، واختيار ارتكاب الذنب بيده هو. وكذلك إذا قام بعمل صالح، فلا يُمنح أجره بالضرورة في اللحظة نفسها؛ بل تظلّ المهلة متاحة له.
إذن، الإنسان مختار في أفعاله، لكنه مجبور في خلقه ونموّه. وهذا هو «أمر بين الأمرين»: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين هذين الأمرين.
هذه هي حالة الإنسان في الدنيا؛ وقد بُيّنت في الجلسة الماضية أيضًا حالة الإنسان في المحشر. نرجو أن تستقرّ هذه النقاط وكلمات أمير المؤمنين (ع) الجميلة في قلوبنا، وأن تبقى دائمًا نصب أعيننا وفي أذهاننا وخواطرنا، لكي نتعلّم منها.
صلّى الله على محمد وآل محمد.