الخطبة الثالثة والثمانون
الجلسة الثامنة
فهرس الدورة
التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب الصادقين، أبيالقاسم المصطفى محمد. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين.
مواعظ شافية للقلوب الطاهرة
نحن الليلة في رحاب الخطبة الثالثة والثمانين من نهجالبلاغة، الخطبة الغرّاء، في الجلسة الثامنة. فبعد أن تحدّث أمير المؤمنين (ع) بصورة إجمالية عن المحشر ووضع الناس في هذا العالم، يشير إلى أن الله تعالى قد جعل للإنسان هدايات مختلفة؛ هدايات كثيرة جداً وُضعت تحت تصرّف الإنسان.
يقول الإمام (ع):
فَيَا لَهَا أَمْثَالًا صَائِبَةً، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوبًا زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعًا وَاعِيَةً، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَابًا حَازِمَةً. فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعَبَرَ فَاعْتَبَرَ، وَحَذَّرَ فَحَذِرَ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ، وَأُجِيبَ فَأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاهْتَدَى، وَأُرِيَ فَرَأَى.
«فَيَا لَهَا» تعني «فيا للعجب»؛ أي ما أعجبها! ما أشدّ إثارتها للعجب! و«أمثالاً صائبة» تعني الأمثال الحقيقية والصحيحة؛ الأمثال التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وجاء بها الأنبياء، كما بيّن الأئمة (ع) قصصاً ومواعظ كثيرة.
و«مواعظ شافية» تعني المواعظ التي تشفي؛ أي النصائح التي تحلّ مشكلات الإنسان وتعالجه.
يوجد في القرآن أمثال كثيرة. فأحياناً تُبيَّن الحقائق والواقعيات المعنوية والعقلية العميقة في قالب الأمثال العرفية، وأحياناً تأتي في صورة أخرى. ولو تدبّر الإنسان في هذه الأمثال القرآنية وحدها، لاهتدى هداية عظيمة.
لكن لهذه المواعظ والأمثال شروطاً. فكلمة «لو» هنا شرطية؛ أي إن جميع هذه المواعظ التي قالها الأنبياء والأئمة (ع) والعظماء تؤدي إلى شفاء الإنسان ونجاته، ولكن بشرط أن تصادف قلوباً طاهرة: «لَوْ صَادَفَتْ قُلُوبًا زَاكِيَةً».
«زكي» يعني طاهر. فإذا صادفت مواعظ القرآن وأمثاله والهدايات التي جاء بها النبي (ص) والأئمة (ع) قلباً طاهراً، أثّرت فيه وكانت سبباً لشفائه.
الإنسان شبيه بالحديد. فالحديد لا يزول بسهولة؛ وإذا زال، فإن صدأه هو الذي يهلكه. وقلب الإنسان كذلك. فإذا كان قلب الإنسان وفطرته طاهرين، فلا شيء يستطيع القضاء عليهما؛ لكن قلب الإنسان يصدأ أيضاً، كصَدَأ الحديد.
يقول رسول الإسلام الكريم، محمد (ص):
إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا جِلَاؤُهَا؟ قَالَ: ذِكْرُ الْمَوْتِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ.
وكما يصدأ الحديد فيقضي صدأه عليه، فإن قلب الإنسان إذا أصابه الصدأ لم تعد الموعظة تؤثّر فيه. فكثير من الناس يجلسون للاستماع إلى النصيحة، ويسمعون كلام النبي (ص) والأئمة (ع)، لكنه لا يترك فيهم أي أثر ولا يعملون به. لماذا؟ لأن قلوبهم قد أصابها الصدأ.
إن مواعظ القرآن وكلمات الأئمة (ع) مؤثّرة ومثيرة للعجب؛ لكن هذه العظمة والقيمة إنما تكون للقلوب الطاهرة. فإذا كان القلب قد أصابه الصدأ، فلا فائدة للموعظة فيه.
القرآن شفاء، ولكن لمن؟ للمؤمنين. فالمؤمنون ينتفعون بالقرآن؛ أما المنافقون، فلأن قلوبهم قد أصابها الصدأ، فإنهم يضلّون بهذا القرآن نفسه.
وهكذا هو الأمر اليوم أيضاً. فكثير من الأشخاص خطباء ومتشدّقون في الظاهر، ويجلس عدد كبير من الناس للاستماع إلى كلامهم، لكنهم فاسدون في أنفسهم ولا يملكون قلوباً طاهرة. ومن لم يكن قلبه طاهراً وكان إيمانه ضعيفاً، لا يستطيع هداية الآخرين.
لذلك يقول الإمام (ع): «لَوْ صَادَفَتْ قُلُوبًا زَاكِيَةً»؛ إن هذه الأمثال الحقيقية وهذه المواعظ الشافية تؤثّر حين تصادف قلوباً طاهرة، لا قلوباً خبيثة.
يقول الله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
﴾إنما يفلح يوم القيامة من يحضر بقلب سليم وطاهر. أما القلوب المريضة والخبيثة فهي مبتلاة في الدنيا والآخرة معاً؛ لأن الآخرة انعكاس للدنيا.
الأذن السامعة ذات السعة
يقول الإمام (ع): «وَأَسْمَاعًا وَاعِيَةً». وهنا أيضاً توجد كلمة «لو»؛ أي إن مواعظ الأنبياء وأمثال القرآن تكون مؤثّرة وشافية حين تصادف آذاناً سامعة.
«أسماع» جمع «سمع»، و«واعية» مشتقة من «وعاء» بمعنى الظرف؛ أي الآذان التي تملك السعة والاستعداد.
كثير من الآذان تسمع، لكنها لا تملك السعة. يدخل الكلام من أذن ويخرج من الأخرى؛ فلا تحتفظ بشيء، ولا تحفظ النصائح. فكثيرون يجلسون في مجالس الموعظة وفي دروس نهجالبلاغة لأمير المؤمنين (ع)، لكنهم لا ينتفعون؛ لأن آذانهم ليست «واعية» ولا تملك سعة حفظ الكلام.
الأذن السامعة ليست مجرد أذن تسمع الصوت؛ بل هي الأذن التي تستوعب الكلام وتحتفظ به. ولذلك فإن مواعظ الأنبياء والأئمة (ع)، والقرآن، وكل هذه الأمثال، إنما تؤثّر حين تصادف آذاناً سامعة ذات سعة.
الإرادة والقرار الحازم
يقول الإمام (ع): «وَآرَاءً عَازِمَةً». «آراء» جمع «رأي»، و«عازم» يعني جاداً وحازماً.
كثير من الناس لا يملكون قرارات حازمة. يتخذون اليوم قراراً، وغداً قراراً آخر. يقولون اليوم: لنقرأ القرآن، ثم يتركونه غداً. وقد أوصى العظماء بأن يقرأ الإنسان كل يوم، على الأقل، صفحة من القرآن؛ لكن ذلك يحتاج إلى قرار جاد واستمرار.
وفي الرواية نفسها التي نُقلت عن النبي الأكرم (ص)، سُئل الإمام: «وَمَا جِلَاؤُهَا؟» كيف يزول صدأ القلوب؟ فقال (ص): بأمرين:
- ذكر الموت؛
- تلاوة القرآن.
إذا أردنا إزالة صدأ القلب، فعلينا الالتزام بهذين الأمرين: أن نذكر الموت دائماً، وأن نتلو القرآن.
وقد طرح أمير المؤمنين (ع) في هذه الخطبة أيضاً مسألة الموت وتشييع الجنازة. فالمشاركة في تشييع الجنازة، والذهاب إلى مجالس الفاتحة، وزيارة المقابر، وزيارة قبور الشهداء، ذات قيمة عظيمة وتُجلي قلب الإنسان.
وعليه، فإن «آراء عازمة» تعني الآراء والقرارات القطعية. لا يمكن التقدّم مع الشك والتردّد. ومن كان متردداً دائماً وقراراته غير جادّة، لا ينتفع بالموعظة. فالموعظة تؤثّر في أصحاب القرارات الجادّة والحازمة.
العقل البعيد النظر المتطلّع إلى الآخرة
يقول الإمام (ع): «وَأَلْبَابًا حَازِمَةً».
«ألباب» جمع «لُبّ». واللبّ يعني الخالص من غير قشر. فأحياناً تكون النواة مع قشرها، وأحياناً يُفصل القشر وتبقى النواة الخالصة؛ كنواة التمر أو لبّ اللوز. ويُسمّى هذا الخالص «لبّاً».
«ألباب حازمة» تعني العقول البعيدة النظر والمستشرفة للمستقبل؛ العقول التي لا ترى ما أمامها فقط، بل تنظر أيضاً إلى نهاية الأمر. فالعقل الحازم يتطلّع إلى الآخرة.
ينبغي للإنسان ألا ينظر إلى الدنيا وحدها. بل عليه أن يرى ما ستكون عليه عاقبة أمره، وما المصير الذي سيؤول إليه في الآخرة. وعليه أن يسأل نفسه: لماذا جئت إلى هذه الدنيا؟ هل جئت لآكل وأنام فقط كالحيوانات؟ ما نهاية هذه الحياة؟
العقل الحازم هو العقل الذي يرى عاقبة الأمر والآخرة.
وعليه، فإن الأمثال الحقيقية والقرآنية، ومواعظ القرآن وكلمات الأنبياء والأئمة (ع)، تكون شافية ومؤثّرة في أربع فئات:
- الذين يملكون قلوباً طاهرة؛
- الذين يملكون آذاناً سامعة ذات سعة؛
- الذين يملكون قراراً وإرادة حازمة؛
- الذين يملكون عقلاً بعيد النظر ومتطلّعاً إلى الآخرة.
إذا توفرت هذه الشروط الأربعة، أثّرت المواعظ وكانت سبباً للشفاء. فالقرآن موعظة وشفاء من أوله إلى آخره، ولكن لمن يملك قلباً طاهراً، وأذناً سامعة، وإرادة حازمة، وعقلاً متطلّعاً إلى الآخرة.
الأمثال القرآنية
إن أمثال القرآن عجيبة جداً. ويكفي مثال قرآني واحد عن الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة لفهم مسار حياة الإنسان كله.
يقول الله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
﴾الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة؛ أصلها ثابت راسخ، وفروعها في السماء.
ثم يقول تعالى عن الكلمة الخبيثة:
﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ
﴾الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة؛ شجرة اقتُلعت من فوق الأرض وما لها من قرار.
«اجتثّت» يعني اقتُلعت. فالشجرة التي لا جذر لها لا ثبات لها ولا قرار.
لو التفت الإنسان إلى هذين المثلين القرآنيين وحدهما، لأدرك حقيقة الحياة ومسار عمره كله. فهذه ليست قصصاً ولا مزاحاً؛ بل حقائق بُيّنت في قالب المثل لتكون أقرب إلى الفهم.
«أمثالاً صائبة»؛ ما أجمل هذا التعبير وما أعذب إيقاعه! إن من يقرأ كلام أمير المؤمنين (ع) هذا بدقة يستمتع بهذه التعابير:
«فَيَا لَهَا أَمْثَالًا صَائِبَةً، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوبًا زَاكِيَةً، وَأَسْمَاعًا وَاعِيَةً، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَابًا حَازِمَةً».
منشور التقوى
بعد هذا البيان، يقول الإمام (ع): «فَاتَّقُوا اللَّهَ». إن أكثر كلمة استُعملت في نهجالبلاغة هي التقوى، كما أن التقوى من أثمن الأمور. فما يبني الإنسان هو التقوى.
ثم يذكر الإمام (ع) اثني عشر نموذجاً للتقوى:
- اتقوا الله كمن يسمع فيخشع.
- كمن يقترف الذنب فيعترف.
- كمن يخاف فيعمل.
- كمن يحذر فيبادر.
- كمن يوقن فيحسن العمل.
- كمن يعتبر فيتعظ.
- كمن يُحذَّر فيحذر.
- كمن يُزجَر فيزدجر.
- كمن يُجاب فينيب.
- كمن يراجع فيتوب.
- كمن يقتدي فيهتدي.
- كمن يُرى الحقيقة فيراها.
التقوى تعني أن نحفظ الله لأنفسنا، وأن نراقب أنفسنا كي لا نخرج عن الطريق الإلهي. والتقوى نسبية، ولها درجات ومراتب. والتقوى مقولة بالتشكيك؛ أي إن لها شدة وضعفاً ومراتب مختلفة.
قد يكون لدى شخص تقوى في السمع، فيبتعد سمعه عن الاستماع إلى الحرام. وقد يكون لدى آخر تقوى في البصر، فلا تتلوث عيناه أبداً. وقد يملك شخص تقوى في أحد أعضاء بدنه. ولذلك فإن للتقوى درجات ومراتب مختلفة.
إن أمير المؤمنين (ع) يبيّن بهذه الأمثال في الحقيقة منشور التقوى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ»؛ اتقوا الله كمن يسمع فيخشع.
كثيرون يسمعون، ولكن هل كل أذن سامعة؟ إن كثيراً من الآذان صمّاء في الحقيقة. وقد استعمل القرآن في وصف أمثال هؤلاء تعابير مثل «صُمٌّ» و«بُكْمٌ». والتقوى أن يكون الإنسان كمن يسمع كلام الحق فيخشع أمامه: «فَخَشِعَ».
وهذا هو النموذج الأول.
والنموذج الثاني هو: «وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ»؛ كمن يقترف الذنب ثم يعترف بذنبه.
«اقتراف» اصطلاح عربي. ومن معانيه الاكتساب؛ لكنه هنا لا يعني «اكتسب». وهذه الكلمة مشتقة من «قرف». والقرف يعني نزع قشر الشجرة. تصوّروا شجرة نُزع قشرها؛ فسيصبح مظهرها قبيحاً وغير جميل. وأحياناً يحفر بعض الناس على جذع الشجرة ويكتبون عليه تذكاراً.
ويستعمل أمير المؤمنين (ع) تعبير «اقتراف» في شأن الذنب أيضاً؛ أي إن الإنسان باقتراف الذنب ينزع جلده ويشوّه نفسه. فالإنسان المذنب يجعل نفسه قبيحة المنظر وغير جميلة، وإن كان لا يدرك هذا القبح أحياناً.
وكما في الشجرة التي نُزع قشرها، يستعمل الإمام (ع) هذا التعبير في شأن الذنب. ثم يقول:
وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ
إن هذه الفاءات هي فاء الفورية؛ أي إنه أذنب فاعترف فوراً. فبعض الناس يذنبون ثم يواصلون اختلاق التبريرات لذنوبهم. وينبغي للإنسان بعد الذنب أن يعترف، وأن يقول لله تعالى: «يا رب، لقد أخطأت». إن الاعتراف بالخطأ هو الخطوة الأولى، وهو عمل إيجابي جداً.
ورد في الرواية: طوبى لمن إذا ارتكب ذنباً تاب واعترف بعده مباشرة. فنحن لسنا معصومين، وقد نخطئ؛ لكن لا ينبغي أن نسمح بتراكم الذنوب. فإذا تراكمت الذنوب، فلن نوفّق للتوبة بعد ذلك. ومن هنا يبدأ صدأ القلب أيضاً: ذنب وراء ذنب، من دون أن يرجع الإنسان إلى الله أو يعترف أو يتوب.
فاتقوا الله كمن يقترف الذنب ثم يعترف فوراً.
وَوَجِلَ فَعَمِلَ
«وَجِل» يعني خاف. فاتقوا الله كمن خاف فسارع فوراً إلى العمل.
أفهل يُخاف من الله؟ إن الله تعالى «أرحم الراحمين»، ونحن نقول باستمرار: «بسمالله الرحمن الرحیم». إن الأفعى تخاف الإنسان؛ لأنها تملك أنياباً وسماً. أما الله تعالى فلا يُخاف منه. والخوف من الله يعني الخوف من فقدان الله؛ أي أن يخاف الإنسان من أن لا يعود الله تعالى يلتفت إليه بسبب الغفلة وكثرة الذنوب.
﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
﴾عندما ينسى الإنسان الله، يتركه الله وشأنه أيضاً. ولذلك لا خوف من الله تعالى، بل ينبغي الخوف من فقدان الله.
«وَجِلَ فَعَمِلَ»؛ خاف فعمل فوراً. وينبغي أن تكون تقواكم كذلك.
وَحَضَرَ فَبَادَرَ
كونوا كمن يبادر فوراً عند رؤية المشاهد المخيفة، ويتوجّه بسرعة إلى أداء واجبه.
وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ
اتقوا الله كمن يوقن، فيحسن أعماله نتيجة لذلك. لا ينبغي للإنسان أن يبقى في الشك. كونوا كأولئك الذين يملكون اليقين، ويمضون في أعمالهم جيداً ويحسنون أداءها بسبب يقينهم.
وَعَبَرَ فَاعْتَبَرَ
كونوا كمن يرى مشاهد العبرة فيعتبر.
يقول أمير المؤمنين (ع):
مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الِاعْتِبَارَ
الدنيا حافلة بالعِبَر؛ ولكن مَن الذي يعتبر؟ العِبَر كثيرة جداً. فإذا أراد الإنسان أن يتعلّم الدرس، أمكنه أن يعتبر من كل شيء. فالمستشفيات مَوعظة للرياضيين وغيرهم؛ أي إن على الإنسان أن يمارس الرياضة حتى لا يُصاب بالمرض ولا يضطر إلى دخول المستشفى. وكل من أراد، أمكنه أن يعتبر من كل شيء.
فاتقوا الله كمن يرى مشاهد العِبَر فيتّعظ.
وَحَذِرَ فَحَذِرَ
واتقوا الله كمن حُذِّر من شيء فحَذِر منه.
إن أموراً كثيرة جديرة بالتحذير منها. وفي القرآن أيضاً تعبيرات كثيرة من هذا القبيل:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ
﴾﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ
﴾في كثير من الأماكن يرسمون خطوطاً ويحذّرون من تجاوز ذلك النطاق؛ فعلى سبيل المثال، يحدّدون في المناطق العسكرية خطوطاً لكي لا يدخل الإنسان ذلك النطاق. والقرآن أحياناً، بدلاً من أن يقول فقط لا تفعلوا هذا الأمر، يقول: لا تقتربوا منه أصلاً.
فهو لا يقول: لا تأخذوا مال اليتيم فقط؛ بل يقول: لا تقتربوا من مال اليتيم أصلاً. ولا ينبغي للإنسان أن يقول: آخذ مال اليتيم ثم أعيده لاحقاً إلى مكانه. كلا؛ لا تقتربوا من مال اليتيم أصلاً. وكذلك في شأن الزنا لا يقول: لا تزنوا فقط، بل يقول:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ
﴾لا تقتربوا من هذا الطريق أصلاً. إن تعبير «لا تقرب» هو في الواقع تحذير.
حتى في شأن الصلاة يقول:
﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ
﴾لا تقتربوا من الصلاة أصلاً وأنتم سكارى. ولا تقولوا: ما دمت سكران، فلأؤدِّ صلاتي أيضاً؛ كلا، لا تقتربوا من الصلاة أصلاً وأنتم سكارى. ولذلك ينبغي أن تكون تقواكم على هذا النحو: فإذا حذّروكم من شيء، فاقبلوا ذلك ولا تقتربوا منه أصلاً.
«وَحَذِرَ فَحَذِرَ»؛ حذّروه فقبل ذلك فوراً وأبقى نفسه بعيداً.
وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ
واتقوا الله كمن زجروه فقبل الزجر. «زجر» يعني المنع. قالوا له: لا تفعل هذا الأمر؛ فعلى سبيل المثال، لا تُهِن والديك. فقبل ذلك هو أيضاً من دون تردّد، ولم يقل: لماذا؟ ولأي سبب؟ فبعض الناس يسألون باستمرار: لماذا؟ أمام كل أمر؛ لكن على الإنسان أن يقبل النهي الإلهي.
وَأَجَابَ فَأَنَابَ
فأجاب الله ثم رجع إليه؛ أي إنه تاب حقاً. ينبغي أن تكون تقواكم على هذا النحو.
وَرَاجَعَ فَتَابَ
رجع عن أعماله السابقة وتاب.
وَاقْتَدَى فَاهْتَدَى
هاتان الجملتان هما آخر نموذجين في هذا القسم. إن «اقتدى» مأخوذة من «قدوة». والقدوة تعني النموذج والأسوة. ينبغي للإنسان أن تكون له قدوة في هذه الدنيا. ومن يقول: أنا قائم بنفسي ولا علاقة لي بالأئمة الدينيين، فلا قيمة له.
إن امتلاك القدوة إحدى ضرورات حياة الإنسان. وقدوتنا هم المعصومون (ع)؛ الأنبياء والأئمة (ع). ولا ينبغي أن يكون غير المعصوم قدوة الإنسان النهائية.
«واقتدى» تعني أنه اقتدى بالأئمة الدينيين والمعصومين (ع)، و«فاهتدى» تعني أنه وضع قدمه موضع أقدامهم واهتدى. و«اهتدى» مأخوذة من جذر «حذاء». و«حذاء» بمعنى النعل؛ أي إنه اتبعهم إلى حدّ كأنه انتعل نعالهم ومشى في موضع أقدامهم.
فاتقوا الله كمن جعل القادة الدينيين قدوةً وأسوةً له، ووضع قدمه موضع أقدامهم. وكان هذا أيضاً النموذج الحادي عشر.
وَأُرِيَ فَرَأَى
كونوا كمن أُريت له الحقائق فرآها. فمن كان من أتباع الأئمة (ع)، تنكشف له حقائق كثيرة. وبعناية الأئمة المعصومين (ع) ولطفهم، يستطيع الإنسان أن يشاهد هنا كثيراً من مشاهد الآخرة.
«وَأُرِيَ فَرَأَى»؛ أُريت له الحقائق فرآها هو أيضاً. ينبغي أن تكون التقوى على هذا النحو.
ولذلك يقول الإمام: راقبوا الله، كأمثال هؤلاء. وقد ذكر الإمام في هذا القسم اثني عشر نموذجاً. وهذه كانت ميثاقاً للتقوى، ونماذج وأمثلة للتقوى.
وسنعرض، إن شاء الله، نتائج هذه التقوى في الجلسة القادمة.
وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِّلْ فَرَجَهُمْ.