الخطبة الأولى
الجلسة الأولى
فهرس الدورة
التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.
الحمد لله ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی أشرف الأنبیاء والمرسلین، حبیب إله العالمین، أبیالقاسم المصطفی محمد (ص) و علی أهلبیته الطیبین الطاهرین، واللعنة الدائمة علی أعدائهم أجمعین.
ذكرى هدم قبور أئمة البقيع (ع)
هذه الليلة، ليلة الثامن من شوال، هي ذكرى هدم قبور أئمة البقيع (ع). ففي سنة ١٣٤٤ للهجرة، هدم الوهابيون قبور أربعة من الأئمة الكرام، وهم الإمام المجتبى (ع)، والإمام السجاد (ع)، والإمام الباقر (ع)، والإمام الصادق (ع). وكانت القبور الأربعة جميعاً ذات قباب ومشاهد وأضرحة، ولا تزال صورها موجودة.
وكانوا قد هاجموا البقيع من قبل أيضاً، لكنهم في هذه السنة هدموا القباب والأضرحة بالكامل. وكان لقبر السيدة أم البنين (س)، وكذلك لقبر العباس بن عبد المطلب، عم النبي الأكرم (ص)، قبة ومشهد أيضاً، فدمّروهما.
وقد كان لهذه الحادثة صدى واسع في إيران أيضاً. فتظاهر الناس واحتجوا، كما قدّم المرحوم المدرّس اعتراضه القانوني. وكان هدف الوهابيين ألّا يبقى أي أثر للقبور. وقد سوّوا معظم قبور البقيع بالأرض، بحيث لم يعد معلوماً من المدفونون في تلك المواضع؛ لكنهم حدّدوا موضع قبور أئمة البقيع (ع) بالحجارة، وأقاموا حوله سياجاً، ورصفوا أرضه رصفاً منخفضاً. ومن هنا صار موضع قبر كل واحد من أولئك العظماء معروفاً.
وفي كل عام، تُقام في ليلة الثامن من شوال مجالس ومراسم بهذه المناسبة.
التعرّف إلى نهج البلاغة
انتخب المرحوم السيد الرضي، وفقاً لذوقه وتخصصه في الفصاحة والبلاغة، مختارات من خطب أمير المؤمنين (ع) ورسائله وكلماته القصار، وجمعها في نهج البلاغة. وقد ذُكر عدد الخطب بصورة متفاوتة قليلاً باختلاف النسخ وطرق الإحصاء؛ لكن وفقاً للإحصاء الذي ذكرناه، يشتمل نهج البلاغة على نحو ٢٣٩ خطبة، و٧٩ رسالة ووصية، و٤٨٠ كلمة قصيرة.
وبالطبع، جُمع في كتاب غرر الحكم نحو عشرة آلاف جملة وحكمة عن أمير المؤمنين (ع)، وما ورد في نهج البلاغة ليس إلا مختارات من كلامه انتخبها السيد الرضي. وقد أثار بعض العلماء أيضاً إشكالات حول منهجه في الانتقاء، لكننا لا ندخل الآن في تلك المباحث.
موضوعات الخطبة الأولى
تقع الخطبة الأولى من نهج البلاغة في نحو ثلاث أو أربع صفحات، وهي من الخطب الطويلة نسبياً في هذا الكتاب. وقد عرّف السيد الرضي موضوعات الخطبة في بدايتها على النحو الآتي: ابتداء خلق السماوات والأرض، وخلق آدم (ع)، والحج، وحمد الله والثناء عليه، وخلق العالم والملائكة، واصطفاء الأنبياء، وبعثة النبي الأكرم (ص)، والقرآن وأحكام الشريعة.
وهذه العبارات هي توضيحات السيد الرضي حول موضوعات الخطبة، أما كلام أمير المؤمنين (ع) فيبدأ بعبارة «الحمد لله».
بداية الخطبة الأولى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ، الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ عَلَامَ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ.
كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالْآلَةِ، بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ، وَلَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.
عجز الإنسان عن معرفة ذات الله
الموضوع الأول في هذا القسم هو عجز الإنسان عن معرفة ذات الله. فمعرفة ذات الله غير مقدورة لنا، وقد بيّن أمير المؤمنين (ع) هذه الحقيقة في الجمل الأولى من الخطبة:
«اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ»؛ فلا يستطيع أي قائل أن يمدح الله كما يليق به، وأن يبلغ حقيقة مدحه.
ويمكن الاستعانة لتوضيح هذا المطلب بالفرق بين المصدر واسم المصدر. فعلى سبيل المثال، يوجد فرق بين «غَسل» بمعنى الغَسل، و«غُسل» بوصفه عملاً خاصاً. فغسل اليد أو القدم أو الرأس نوع من الغَسل، لكن ليس كل غَسل هو الغُسل بالمعنى الاصطلاحي.
كما أن كل واحد من ألوان مدحنا لله لا يشير إلا إلى جانب من صفاته الإلهية. فعلى سبيل المثال، نقول إن الله قادر وعالم؛ لكن كل ما نقوله عن قدرة الله أو علمه أو سائر صفاته ضئيل جداً قياساً إلى حقيقته اللامتناهية. ولا يستطيع أحد أن يبلغ بمدح الله غايته وكماله. وهذا هو معنى «لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ».
معنى الحمد
«الحمد» بمعنى الثناء، وله خاصتان:
- يكون الثناء في مقابل العمل الحسن، فالعمل القبيح لا يستحق الثناء.
- يجب أن يكون العمل الحسن اختيارياً. فإذا قام شخص بعمل حسن مكرهاً، لم يكن ذلك العمل مستحقاً للثناء.
وبناءً على ذلك، يمكن الثناء على من قام أولاً بعمل حسن، وقام به ثانياً باختياره وإرادته.
جميع المحامد لله
وهناك نقطة أخرى في كلمة «الحمد»، وهي أن الألف واللام فيها للاستغراق. فليست «الحمد» بمعنى حمد واحد فقط، بل تشمل جميع المحامد. و«الحمد لله» تعني «الحمد کلّه لله»؛ أي إن جميع المحامد لله.
وإذا أثنينا على شخص، أو أستاذ، أو طبيب، أو عالم، أو مرجع، أو أي إنسان آخر، فإن المآل النهائي لهذا الثناء يعود إلى الله؛ لأن ذلك الشخص مخلوق لله، وقد منحه الله الإرادة والقدرة والاستعداد للقيام بالعمل الصالح.
فعلى سبيل المثال، إذا وضع شخص مالاً تحت تصرف آخر، فأنفق الآخر من ذلك المال نفسه، فإنه يُمدح أيضاً بسبب إنفاقه؛ لكن هذا المدح يعود في نهاية المطاف إلى من وضع المال تحت تصرفه. وكذلك فإن جميع قدرات الإنسان من الله؛ ومن هنا يعود الثناء على كل عمل حسن في النهاية إلى الثناء على الله.
نسبة أعمال الإنسان الحسنة والسيئة إلى الله
أعمال الناس الحسنة اختيارية، لكن بما أن الله منحهم أصل الإرادة والقدرة والاستعداد، فإن حسناتهم تعود إليه. وفي المقابل، ترجع الأعمال السيئة إلى الإنسان نفسه؛ لأنه استخدم بسوء اختياره القدرة التي وُضعت تحت تصرفه للعمل الحسن في الطريق الخاطئ.
الإرادة نعمة إلهية. وبها يستطيع الإنسان أن يفكر، ويتكلم بالكلام الحسن، ويقوم بأعمال كثيرة. وقد منحه الله هذه القدرة أيضاً لكي يستخدمها استخداماً صحيحاً. وهذا كالسكين التي وُضعت تحت تصرف الإنسان للاستخدام الصحيح، ومنه تقشير الفاكهة؛ لكن إذا آذى شخص غيره بالسكين نفسها، فلا يستطيع أن ينسب عمله إلى من أعطاه الأداة لكي يستخدمها استخداماً صحيحاً.
صحيح أن الله هو الذي منح أصل القدرة، لكن الاستخدام الخاطئ لها لا يُنسب إليه؛ لأن الإنسان أساء استخدام هذه القدرة باختياره. وبناءً على ذلك، تعود حسنات الإنسان في نهاية المطاف إلى الله، أما قبائحه فهي نتيجة سوء اختياره هو.
علم الله واختيار الإنسان
من الإشكالات المطروحة في بحث الجبر الاستناد إلى هذا البيت المنسوب إلى الخيام:
كان الحق منذ الأزل يعلم أنني سأشرب الخمرفإن لم أشرب، كان علم الله جهلاً
وفقاً لهذا القول، بما أن الله كان يعلم منذ البداية أن شخصاً سيشرب الخمر، فهو مضطر إلى شربها حتى لا يكون علم الله مخالفاً للواقع. وهذا الاستدلال غير صحيح. فالله يعلم منذ البداية ما سيفعله الإنسان، لكن الإنسان يقوم بذلك العمل باختياره. والله يعرف الذين يعملون العمل الحسن، كما يعرف الذين يرتكبون العمل السيئ؛ إلا أن هذا العلم لا يوجب الجبر.
فعلى سبيل المثال، قد يعلم أستاذ أن أحد تلاميذه قوي وأن الآخر ضعيف؛ لكن علم الأستاذ لا يؤثر في دراسة التلميذ أو عدم دراسته. فعلم الأستاذ قائم به، ولا يسلب التلميذ اختياره. وكذلك لا يؤثر علم الله تأثيراً جبرياً في إرادة الأفراد. وبناءً على ذلك، لا يوجب علم الله السابق جبر الإنسان أبداً.
عجز الإنسان عن الثناء على الله وإحصاء نعمه
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ.
لا يقدر أحد على الثناء على الله كما يليق به. كما لا يستطيع العادّون إحصاء نعم الله. و«عَدّ» بمعنى الإحصاء، ونعم الله لا يمكن إحصاؤها أساساً.
فعلى سبيل المثال، توجد في كيان الإنسان وحده نعم لا تُحصى، فضلاً عن سائر الموجودات. وقد قرأت في بعض الموضوعات الطبية أن في جسم كل إنسان ما لا يقل عن مليون مليار خلية. وكل واحدة منها نعمة؛ فكيف يمكن إحصاء نعم الله؟ فلا نعم الله المادية قابلة للإحصاء، ولا نعمه المعنوية.
وقد ورد في رواية أن نبي الإسلام (ص) طلب من بعض أصحابه أن يعددوا بعض نعم الله:
طلب نبي الإسلام (ص) من أبي بكر أن يعدد نعم الله، فذكر أموراً كالبقر والغنم والطعام. ثم طرح السؤال نفسه على عمر وعدد آخر من الصحابة، وكانت إجاباتهم متشابهة تقريباً. ثم التفت إلى أمير المؤمنين (ع) وقال: عدّد بعض نعم الله. فقال أمير المؤمنين (ع): خلقني الله حين لم أكن شيئاً، ومنحني القدرة على التفكير والفهم. وإن مجرد فهمي أن الله قد خلقني هو بحد ذاته نعمة عظيمة.
وقد بدأ أمير المؤمنين (ع) من هنا تعداد النعم الإلهية بأسلوب عجيب. ومن أعظم النعم خلق الإنسان نفسه ومنحه القدرة على الفهم والتفكير. ولهذا نُقل عنه (ع):
مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ.
لا يلزم لمعرفة الله أن نبدأ من مكان بعيد؛ بل ينبغي أن نبدأ من أنفسنا. فإذا عرف الإنسان نفسه عرف الله أيضاً. ومن هنا كان «معرفة النفس» ومعرفة الإنسان من الموضوعات المهمة.
ثم يقول أمير المؤمنين (ع) إن أي مجتهد، مهما بذل من جهد، لا يستطيع أداء حق الله. وحتى لو تعاون جميع المجتهدين في العالم، فإنهم يبقون عاجزين عن أداء الحق الإلهي.
عجز الأفكار عن إدراك ذات الله
الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ.
يشير هذا المقطع إلى أن معرفة ذات الله غير ممكنة. و«بُعد الهمم» ناظر إلى قوس الصعود؛ أي إن الأفكار مهما ارتفعت وبلغت الذروة، فإنها لا تستطيع إدراك ذات الله.
أما «غوص الفطن» فناظر إلى قوس النزول. فكما لا يمكن الوصول إلى ذات الله بالصعود إلى أعلى المراتب والذهاب إلى السماوات، لا يمكن إدراكه أيضاً بالغوص في أعماق البحار والمحيطات. وأعماق البحار عالم عجيب في حد ذاته، لكن الإنسان لا يبلغ ذات الله بأي ارتقاء أو غوص فكري.
عدم محدودية الصفات الإلهية
الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ.
يتضمن هذا المقطع بحثاً عرفانياً عميقاً. يقول أمير المؤمنين (ع) إن صفات الله ليس لها أي حد أو قيد.
وتُقسّم الصفات الإلهية من جهة إلى صفات الجمال والجلال، ومن جهة أخرى إلى الصفات الثبوتية والسلبية. فالصفات الثبوتية هي الكمالات التي تثبت لله، ومنها:
- العلم
- القدرة
- الحياة
- المجد
- العزة
- الحلم
وفي المقابل، الصفات السلبية هي الأمور التي يجب نفيها عن الله؛ فالله، على سبيل المثال، ليس جسماً، ولا زمان ولا مكان ولا موضع له.
وقد طرح المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي هذه المباحث في كتابه الكلامي تجريد الاعتقاد. كما أن كتاب الباب الحادي عشر للعلامة الحلي من الكتب التي تُقرأ في بداية دراسة علم الكلام. ويُثبت في هذه المباحث بالدليل أن الله «واجب الوجود»، وأن سائر الموجودات «ممكنة الوجود».
واجب الوجود هو الموجود الذي يكون كل شيء فيه من ذاته، ولا يكون شيء منه من غيره. وفي المقابل، كل ما سوى الله، ابتداءً من الملائكة والبشر وصولاً إلى الحيوانات وسائر الموجودات، ممكن الوجود، ولا يستمد وجوده من ذاته.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
﴾جميع الموجودات فقيرة ومحتاجة، والله وحده هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء. وهذا هو معنى كون الله واجب الوجود.
صفات جميع الموجودات محدودة، لكن لا شيء من صفات الله محدود. فإذا كان الله قادراً، فقدرته غير محدودة؛ وإذا كان حليماً، فحلمه غير محدود؛ وإذا كان عليماً، فعلمه غير محدود؛ وإذا كان رحيماً، فرحمته غير محدودة. وكل صفة نثبتها لله هي غير محدودة.
لا يستطيع الإنسان إدراك حقيقة هذه اللامحدودية؛ لأن كل إنسان يفهم بقدر طاقته الفكرية. وحين يكون فهم الإنسان بقدر فكره، تكون معرفته محدودة أيضاً. وقد يفهم شخص آخر أكثر منه، لكنه هو أيضاً يدرك بقدر طاقته الفكرية. وبناءً على ذلك، لا يستطيع أحد أن يعرف الله كما يليق به.
كذلك لا يمكن تصوّر زمان أو عمر لله تعالى. ويمكن أن يقال عن الموجودات إنها كانت موجودة قبل مئة عام أو لم تكن، وما حالها بعد مئة عام؛ لأن لكل موجود عمراً. أما الزمان فمن خصائص الممكنات، والله تعالى لا زمان له ولا أجل.
خلق الموجودات ودور الرياح والجبال
فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.
خلق الله جميع المخلوقات بقدرته، ونشر الرياح برحمته. والرياح من الرحمات الإلهية؛ إذ لولاها لما وُجد كثير من الموجودات، ولما نشأت الزراعة والفلاحة. وللرياح أنواع مختلفة؛ فمنها ما يسبّب الفناء، ومنها ما يؤدي دوراً في تكاثر النباتات ونشوء أجيالها.
ويقول أمير المؤمنين (ع) أيضاً إن الله ثبّت بالصخور حركة الأرض واضطرابها. و«وَتَّدَ» بمعنى أثبت بالمسامير؛ أي إن الله ثبّت الأرض بالصخور والجبال. فالجبال كالمسامير التي تخفّف من حركة الأرض الشديدة. وقد قيل هذا الكلام في زمن يفصله قرون عن نظريات علماء مثل غاليليو حول حركة الأرض.
مكانة نهج البلاغة عند الآخرين
كان أحد السادة ينقل أنه دخل كنيسة في أثناء سفره إلى لبنان. وفي مجلس كان جميع الحاضرين فيه من المسيحيين، قرأ إحدى كلمات أمير المؤمنين (ع) من نهج البلاغة لبيان مطلب علمي. فقرأ رئيس أساقفة الكنيسة على الفور تتمة الكلام عن ظهر قلب.
فقال له متعجباً: «هذه العبارة من نهج البلاغة، لا من الإنجيل». فأجابه الأسقف: «نحن نحفظ نهج البلاغة عن ظهر قلب، ونبيّن هذه المطالب نفسها للناس. فجميع المواعظ موجودة في نهج البلاغة». بل قال إن السائق الذي أوصل الضيف إلى هناك كان يحفظ جميع الكلمات القصار لأمير المؤمنين (ع) عن ظهر قلب.
ينتفع الآخرون بهذه النعمة، لكننا نغفل عنها أحياناً. ونحن كالسمكة التي تعيش في الماء ولا تعرف قدره؛ فإذا خرجت منه أدركت عندئذٍ النعمة التي كانت فيها.
بداية الدين ومراتب معرفة الله
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الْإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ.
معرفة الله
كانوا يعلّموننا منذ بداية دراستنا الحوزوية هذه العبارة: «بداية الدين معرفة الله». والدين مجموعة من العقائد والأحكام والأخلاق والقوانين، وبداية كل ذلك معرفة الله. فإذا عرف الإنسان جميع قوانين الدين، لكنه لم يعرف الله، فلن تنفعه معارفه. فأساس الدين معرفة الله، وكثير من المشكلات ناشئ أيضاً من فقدان هذه المعرفة.
التصديق والإيمان
هل تكفي مجرد معرفة الله؟ كلا. يقول أمير المؤمنين (ع) إن كمال معرفة الله هو التصديق به والإيمان به. فالإنسان يعرف أشياء كثيرة أو يتصوّرها، لكنه لا يؤمن بها.
ثمة فرق بين التصور والتصديق. فقد يخطر الشيء في ذهن الإنسان فحسب ويتصوّر صورته، وقد يؤمن بوجوده. وهذا الإيمان مهم. فعلى الإنسان أولاً أن يعرف الله، ثم يؤمن به بعد معرفته.
التوحيد
المرتبة الثالثة هي التوحيد والاعتقاد بوحدانية الله. فتأتي معرفة الله أولاً، ثم الإيمان به، وبعد ذلك الاعتقاد بوحدانيته. وقد جاء جميع الأنبياء من آدم إلى خاتم الأنبياء من أجل التوحيد. ولم يكن نزاعهم الأساسي مع الناس بشأن أصل معرفة الله أو الإيمان بوجوده، بل كان محور دعوة جميع الأنبياء توحيد الله ووحدانيته.
والفطرية هنا تتعلق بأصل معرفة الله والإيمان به، لا بالتوحيد. فقد خُلق الإنسان عارفاً بالله بفطرته. والله هو تلك الحقيقة التي يتوجه إليها الإنسان حين تُغلَق في وجهه جميع الأبواب وينقطع أمله من كل جهة.
ويبيّن القرآن الكريم هذه الحالة بمثال الذين تعصف بهم الأمواج في السفينة، ويرون جميع سبل النجاة مغلقة:
﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
﴾حين يضطرب البحر، وتهجم الأمواج من كل جانب، ولا يعود أحد قادراً على فعل شيء، تتجه الأنظار كلها إلى نقطة واحدة. واسم تلك النقطة هو الله. ولا فرق في مثل هذه الحال بين المسلم وغير المسلم؛ فهذا هو معنى الفطرة وظهور معرفة الله الفطرية.
وهنا يظهر الإخلاص. فالإخلاص يعني أن ينقطع أمل الإنسان من كل جهة، ولا يرى مؤثراً إلا الله. فإذا اعتقد الإنسان حقاً أن رزقه من هذا وذاك، وظن أنهم يرزقونه، فإنه لا يزال مبتلى بالشرك. فهذه الأمور كلها وسائل، وعلى الإنسان أن يرى الله وحده منشأ التأثير.
لم يأت الأنبياء ليُنشئوا أصل معرفة الله في الناس؛ لأن جميع البشر عارفون بالله في أعماق فطرتهم. وحتى الذين ينكرون الله في الظاهر يتوجهون إليه في خلواتهم وحين تُغلَق جميع السبل. فقد أودع الله هذه المعرفة في وجود الإنسان.
كانت دعوة الأنبياء متعلقة بالمرتبة الثالثة، أي التوحيد. وكان رسول الله (ص) أيضاً يدعو الناس إلى «لا إله إلا الله». ولم تكن القضية الأساسية أن يعرفوا الله أو يؤمنوا بأصل وجوده، بل أن الله واحد.
وحدانية الله ونفي تعدد الآلهة
يؤمن كثير من الناس بالله، لكنهم يعتقدون بآلهة متعددة بدلاً من الإله الواحد. فمثلاً، يجعل بعضهم آلهة منفصلة للرزق والخلق والمطر وسائر شؤون العالم، ويعدّ كل واحد منها رباً وواسطة مستقلة.
كما أن النبي يوسف (ع)، قبل أن يعبّر رؤيا صاحبيه في السجن، دعاهما إلى تحكيم فطرتهما وقال:
﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
﴾يستطيع قلب الإنسان أن يحكم في هذا الأمر: أأرباب متعددون متفرقون خير أم الإله الواحد؟ لقد جاء الأنبياء ليدعوا الناس إلى وحدانية الله.
الله ليس واحداً عددياً
لا تعني وحدانية الله أنه «واحد عددي»؛ أي لا يمكن القول إن الله واحد كما يقع الواحد في مقابل الاثنين والثلاثة. فإذا اعتبرنا الله واحداً عددياً، فكأننا تصوّرنا له نظيراً في عرضه، فهو الآن واحد ويمكن أن يكون له ثانٍ أيضاً.
الله واجب الوجود وواحد لا شريك له، ولا تشبه أي صفة من صفاته صفات الممكنات. ومن هنا، لا يمكن وضعه في عداد الأعداد. فهو «أحد»، ولا شيء يقع في عرضه.
وليست مشكلة الثنوية إنكار الله أيضاً. فهم يعبدون الله، لكنهم يؤمنون بإلهين، كما اعتقد بعض الشعوب بثلاثة آلهة أو بآلهة متعددة. وقد آمنوا جميعاً بأصل وجود الله، لكنهم ليسوا موحدين. إذاً، أصل معرفة الله فطري، ويظهر حين تُغلَق جميع الأبواب وتنقطع الآمال؛ أما الأنبياء فقد جاؤوا لإيصال الإنسان إلى التوحيد.
فالإنسان يعرف الله أولاً، ثم يصدّق به، وبعد ذلك يؤمن بوحدانيته. وكمال هذا التوحيد هو الإخلاص لله:
وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ