الخطبة الثالثة والثمانون
الجلسة الثالثة
فهرس الدورة
التسجيل الصوتي لهذه الجلسة باللغة الفارسية.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، حَبِيبِ قُلُوبِ الصَّادِقِينَ، أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ.
الخطبة الثالثة والثمانون من نهج البلاغة؛ الجلسة الثالثة
بعد أن يعبّر أمير المؤمنين (ع) عن حمد الله تعالى والثناء عليه، والشهادة برسالة نبي الإسلام العظيم وعبوديته، يتحدثون في هذا القسم عن أهم مسألة في حياة الإنسان ومعيشته؛ عن توصية يمكن اعتبارها نقطة أساسية ومفتاحاً رئيسياً لحياة الإنسان: التقوى.
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ، وَوَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَرْفَقَ بِكُمُ الْمَعَاشَ.
تعيش السمكة في الماء، وحياة السمكة تعتمد على الماء. فالسمكة لا تستطيع حتى لحظة واحدة أن تتحرك أو تتنفس من دون ماء؛ كل شيء بالنسبة إليها في الماء. وإذا خرجت من الماء لحظة واحدة، أدركها الموت.
وعلاقة الإنسان بالله هي كذلك. فإذا كان الإنسان لحظة واحدة من دون توجه إلى الله، فهو في الواقع ميت. كما أن الحياة الجسدية للإنسان تعتمد على الله تعالى من البداية إلى النهاية:
«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
مبدأ الإنسان هو الله، ومسيره نحو الله، ومنتهاه أيضاً هو الله. فإذا انقطعت علاقة الإنسان بالله ولو لحظة واحدة، زالت حياته؛ كما أن حياته الجسدية تنتهي إذا لم يتنفس لحظة واحدة.
لكن ينبغي للإنسان أن ينظّم حياته الروحية والإرادية؛ لأنه يمتلك الإرادة. والحياة الجسدية لجميع الموجودات على هذه الصورة، فجميعها تعتمد على مبدئها؛ كالسمكة التي لا تستطيع أن تعيش من دون ماء. والإنسان أيضاً لا يستطيع، من الناحية الجسدية، أن يواصل حياته من دون الله؛ لأن مبدأه ومسيره ومنتهاه هو الله.
أما ما هو مطلوب وقد تحدّث عنه القرآن الكريم، فهو «الحياة الطيبة». والحياة الطيبة ترتبط بالحياة الإرادية للإنسان. فالحياة الحيوانية تجري بصورة طبيعية، ولا تعتمد حتى على اعتقاد الإنسان بالله؛ لكن الأصل المهم هو الحياة الطيبة نفسها.
يقول مولانا في شعر جميل:
جاهي وجلالي أنتوملكي ومالي أنت
ومائي الزلال أنتلا تستقيم الحياة من دونك
يمكن العيش من دون الجميعولا تستقيم الحياة من دونك
قلبي يحمل لوعتكولا يصلح له مكان آخر
عين العقل سكرى بكودورة الفلك الوضيع لك
وأنت بيدك أذن الطربلا تستقيم الحياة من دونك
الروح منك تغليوالقلب منك يرتشف
والعقل يطلق صيحتهلا تستقيم الحياة من دونك
خمري وخماريوبستاني وربيعي
ونومي وقراريلا تستقيم الحياة من دونك
ويوصي أمير المؤمنين (ع) الإنسان بالتقوى في هذا التعبير أيضاً:
«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ».
أي: أوصيكم، يا عباد الله، بتقوى الله.
وردت التوصية بالتقوى في مواضع مختلفة من كلمات أمير المؤمنين (ع) في خطب نهج البلاغة. فتارة يكون الحديث عن ماهية التقوى وحقيقتها؛ كالخطبة ٢٣٠ من نهج البلاغة، حيث يقول الإمام عن ماهية التقوى:
إِنَّ التَّقْوَى مِفْتَاحُ السَّدَادِ، وَذَخِيرَةُ الْمَعَادِ.
«السداد» يعني الاستقامة؛ ولذلك فالتقوى مفتاح الاستقامة وسبيل فتح أبواب الخير. كما أن التقوى زاد الآخرة والمعاد. والحديث هنا عن ماهية التقوى؛ أي ما التقوى؟
وتارة يكون الحديث عن كيفية التقوى؛ أي كيف تتحقق التقوى وما خصائصها. وينبغي متابعة هذا الموضوع في الخطبة ٩٠ والخطبة ١٩٣ من نهج البلاغة، أي خطبة المتقين. فقد بيّن الإمام هناك خصائص المتقين، وذكر لهم نحو مئة صفة. وهذه الأوصاف في الحقيقة تبيّن كيفية التقوى.
إذن، تارة يكون الحديث عن ماهية التقوى، كالخطبة ٢٣٠، وتارة يكون الحديث عن كيفية التقوى، كخطبة المتقين وصفات أهل التقوى في الخطبة ١٩٣.
لماذا التقوى؟
أما في هذه الخطبة، فعن أي شيء يتحدث أمير المؤمنين (ع) بشأن التقوى؟ الحديث هنا عن سبب التقوى.
التقوى تعني امتلاك الله. فكما تفقد السمكة حياتها من دون ماء، يفقد الإنسان حياته من دون الله ويموت. وقد تكون له حياة جسدية، لكنه يكون ميتاً من الناحية القلبية والروحية.
وعليه، فمعنى التقوى هو امتلاك الله؛ أي ألّا نفقد الله، وأن نحفظه ونتمسك به. و«الوقاية» تعني الحفظ والصيانة. ويذكر أمير المؤمنين (ع) في هذه الخطبة عشرة أمور لبيان سبب التقوى، أي لبيان لماذا ينبغي أن يكون الله معنا. وسنشير إلى ما يتسع له الوقت من هذه الأمور.
الدليل الأول: ضرب الله للإنسان الأمثال
يقول أمير المؤمنين (ع): «أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ»؛ أي يا عباد الله، أوصيكم بالتقوى وامتلاك الله. لماذا ينبغي أن يكون الله معنا وألّا نفقده؟
الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ
لقد ضرب الله لكم الأمثال.
يستخدم الله تعالى، لتربية الإنسان في القرآن، البرهان والاستدلال تارة، والجدال بالتي هي أحسن تارة، والموعظة تارة، والمثل تارة أخرى. وهذه هي طرق الهداية والتربية الإلهية.
فقد يبيّن الله تعالى المطالب بالاستدلال، ويسمى ذلك برهاناً. وقد تبيّن المطالب أحياناً بالجدال بالتي هي أحسن، وأحياناً بالموعظة. ومن الطرق الأخرى بيان المطالب بالأمثال.
يهدي الله الإنسان عن طريق ضرب الأمثال والتشبيه. ويشتمل القرآن الكريم على تشبيهات كثيرة. فتأتي هذه التشبيهات أحياناً بلفظ «مَثَل»، وأحياناً بحرف «الكاف» الذي هو أحد أدوات التشبيه، وأحياناً أخرى يُعبَّر عن التشبيه من دون استخدام أداة التشبيه.
والتشبيه وبيان الأمثال أحد سبل إدراك المفاهيم السامية. فالله تعالى يقرّب أحياناً المفاهيم السامية والثقيلة إلى مستوى الناس؛ لأن عامة الناس يفهمون كثيراً من المطالب بالمثال بصورة أفضل. فبالمثال تُعرض المطالب المعقولة والرفيعة بصورة محسوسة وملموسة.
ويشتمل القرآن الكريم على أمثال كثيرة. يقول الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا
﴾لا يستحيي الله من أن يضرب مثلاً بموجود صغير كالبعوضة. ولذلك لا ينبغي أن يكون ضرب المثل سبباً لخجل الإنسان أو انكساره. فالمثال ضروري جداً للتذكير. وقد يضرب الله أحياناً الأمثال بأدنى الموجودات وأصغرها لبيان المفاهيم السامية.
ويقول القرآن الكريم بشأن وهن القوى الزائفة:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
﴾يشبّه الله الذين يظنون لأنفسهم قوى، مع أن قواهم زائفة، ببيت العنكبوت؛ وهو أوهن البيوت.
وهكذا يبيّن الله تعالى أحياناً المعاني السامية في قالب أمثال محسوسة وملموسة. ومن المفاهيم السامية والمهمة مسألة القيامة وإحياء الموتى والحياة بعد الموت. ويستخدم الله المثل لبيان هذا الأمر في الموضع الذي يصعب فيه الاستدلال العقلي على عامة الناس.
يقول تعالى في الآية ٣٩ من سورة فصّلت:
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
﴾إن من علامات الله أنكم ترون الأرض جافة هامدة. و«خاشعة» تعني أرضاً جافة وميتة وهامدة. فعندما ينزل الله الماء على هذه الأرض، تهتز وتتحرك؛ فـ«اهْتَزَّتْ» تعني تتحرك، و«رَبَتْ» تعني تنمو وينبت فيها النبات.
من أحيا هذه الأرض الميتة؟ إن الله نفسه الذي أحيا الأرض الميتة يحيي الموتى أيضاً: «إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ». فالشخص نفسه الذي أحيا الأرض الميتة سيحيي الموتى؛ لأنه على كل شيء قدير.
يجسّد الله القيامة للإنسان بهذا المثل، ويقول: انظر؛ نحن نحيي الأرض الميتة، وأنت ترى هذا المشهد باستمرار. وكما تحيا الأرض الميتة، سيحيا الإنسان من جديد أيضاً.
وهذا نموذج لبيان مفهوم معقول بصورة محسوسة. فالله تعالى يبيّن المطالب السامية والثقيلة بالأمثال المحسوسة. ولذلك ينبغي أن يكون الله معنا؛ لأن الله تعالى يهدي الإنسان بهذه الطريقة، مستخدماً الأمثال. وهذا هو الدليل الأول على ضرورة امتلاك الله وسبب التقوى: «الَّذِي ضَرَبَ الْأَمْثَالَ».
الدليل الثاني: عيّن الله للإنسان الآجال
والدليل الثاني هو:
وَوَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ
لقد عيّن الله لكم الآجال. و«الوقت» و«التوقيت» يعنيان تحديد الزمان. و«الآجال» جمع «أجل»؛ أي إن الله حدّد الأزمنة والمدد.
ويأتي «الأجل» أحياناً بمعنى المدة المطلقة، وأحياناً بمعنى نهاية المدة. فإذا قيل: «انتهى أجله»، فالمعنى أن مدته انتهت.
فعلى سبيل المثال، «القرض المؤجل» هو القرض الذي عُيّن له زمان ومدة. وقد يجري الإنسان المعاملة نقداً أحياناً، ونسيئة أحياناً أخرى؛ فالمعاملة النسيئة لها زمان وهي مؤجلة، أي عُيّن لها أجل ومدة.
وقد عيّن الله تعالى لكل شيء أجلاً، وكذلك الإنسان. فقد عُيّن للإنسان موت، ولحياته نهاية. وما دامت الحياة لها نهاية، فينبغي أن يكون الله معنا. وهذا هو الدليل الثاني على ضرورة امتلاك الله: «وَوَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ».
الدليل الثالث: وفّر الله للإنسان اللباس والستر
والدليل الثالث:
وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ
لقد ألبسكم الله اللباس والستر. و«ألبس» مشتق من اللباس، ويعني الإلباس والتغطية.
و«الرياش» جمع «الريش». والريش هنا لا يعني شعر الوجه؛ بل إن «الريش» في اللغة العربية يعني ريش الطيور. وريش الطيور عادةً ملوّن وجميل.
يقول الله تعالى في الآية ٢٦ من سورة الأعراف:
﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ
﴾يا بني آدم، جعل الله لكم لباساً يستر أجسادكم وعوراتكم، كما منحكم لباس الزينة والتجمّل.
ومن نعم الإنسان وامتيازاته أن الله ألبسه. فالحيوانات عارية، أما الإنسان فليس عارياً، وله ستر وغطاء. وهناك لباس عام هو «يُوَارِي سَوْآتِکُمْ»؛ أي يستر عيوب الإنسان وانخفاضات جسده وارتفاعاته وعوراته.
وقد خلق الله الإنسان بحيث لا يكون عارياً، بل يستر بدنه. وهذا نوع من اللباس؛ لباس يستر العورات. وإلى جانبه يوجد لباس آخر ذو جانب زيني، وهو «الرياش».
وعليه، فـ«الرياش» في هذه الآية يعني اللباس الفاخر والزيني. وأصل كلمة الريش يعني ريش الطائر، وكما أن لريش الطيور ألواناً متنوعة وجميلة، فهذا اللباس أيضاً لباس التجمّل والزينة.
ولكل إنسان لباس داخلي لستر العورات، ولباس خارجي للظهور في المجتمع. واللباس الذي يظهر به الإنسان في المجتمع هو اللباس الفاخر والزيني، وقد ذكره القرآن بعنوان «الرياش».
وفي موضع آخر، يذكر الله ستر البدن بتعبير «السرابيل»:
﴿ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
﴾و«السرابيل» تعني الثياب؛ فقد منح الله الإنسان، من نعمه، لباساً بدنياً يحفظ حرارة بدنه.
نقول في العرف: ارتدِ «لباساً دافئاً»، لكن اللباس ليس دافئاً أو بارداً في ذاته. فالإنسان هو الذي يمتلك الحرارة. والتعبير القرآني الجميل هو أن اللباس يحفظ حرارة بدن الإنسان: «سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ».
و«تَقِيكُمْ» من الجذر نفسه لكلمة التقوى، وتعني الحفظ والصيانة. أي إن اللباس يحفظ الحرارة الموجودة في أبدانكم ويمنع زوالها. فالمعنى الدقيق للّباس الدافئ هو اللباس الذي يحفظ حرارة البدن.
«تَقِيكُمْ الْحَرَّ» يعني أن اللباس يحفظ الحرارة الموجودة في أبدانكم. فالحرارة إذن من بدن الإنسان، لا من اللباس. واللباس ليس دافئاً أو بارداً في ذاته؛ بل إن بعض الألبسة تحفظ حرارة البدن، ولذلك نسمّيها «ملابس دافئة». ومن ثم، فالحرارة في الواقع من الإنسان نفسه.
ويواصل القرآن تشبيهه الجميل:
﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ
﴾فكما يحفظ اللباس الإنسان من الحرارة والمرض والأضرار المختلفة، شبّه الله التقوى بالثوب أيضاً. وكما يحفظ اللباس بدن الإنسان، تحفظ التقوى روحه. ولذلك فلباس روح الإنسان هو التقوى، و«لباس التقوى» خير من اللباس الظاهري.
خمسة جوانب لشكر الله تعالى
يقول أمير المؤمنين (ع) بعد ذلك:
وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَرْفَقَ لَكُمُ الْمَعَاشَ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ
لقد ألبسكم الله تعالى لباساً فاخراً. فظهور الإنسان وبروزه في المجتمع يكون بهذا اللباس، كما تنتظم حياته الاجتماعية به. ولذلك ينبغي شكر الله؛ أولاً لأن الله ألبسكم نعماً كثيرة، وثانياً لأنه جهّزكم بنعم وإمكانات متنوعة.
وثالثاً أن الله ألبسكم لباساً فاخراً، أي «الرياش». و«الرياش» جمع «الريش»، ويعني اللباس الفاخر وزينة الحياة.
ورابعاً يقول: «وَأَرْفَقَ لَكُمُ الْمَعَاشَ». لقد وسّع الله حياتكم المادية ومعيشتكم، ووضع تحت تصرفكم أنواع النعم؛ بدءاً من القدرة على التنفس والحركة، وصولاً إلى الفواكه وسائر النعم التي تحتاجون إليها في الحياة. فقد وفّر الله لكم المعاش والحياة بأشكال وأنواع مختلفة، ولم يحرمكم من شيء.
وخامساً يقول: «وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ». و«الإحصاء» يعني العدّ والإحصاء. وكانوا يسمّون في الماضي دائرة الإحصاء بـ«دائرة الإحصائية»؛ لأنها كانت تملك إحصاءات السكان ومعلومات المدينة وتجري التعداد السكاني. ويقول أمير المؤمنين (ع) إن من جوانب شكر الله أن الله يملك إحصاءكم جميعاً، وهو محيط بجميع أحوالكم. فإحصاؤكم في حوزة الله.
هذه الجوانب الخمسة هي خمسة من عشرة جوانب ذكرها أمير المؤمنين (ع) للالتفات إلى النعم الإلهية وضرورة التقوى. إن شاء الله سنبيّن الجوانب الخمسة الأخرى في الجلسة القادمة أيضاً.
الأنس بنهج البلاغة
نأمل أن يوفّقنا الله تعالى لقراءة نهج البلاغة مرارًا وألّا نغفل عنه. وكما أن قراءة القرآن لها ثواب، فإن قراءة نهج البلاغة لها ثواب أيضًا. عندما يقرأ الإنسان نهج البلاغة، يشعر بالابتهاج؛ فتركيب جمله وكلماته يحيي روح الإنسان.
فلنمتنع عن ترك قراءة نهج البلاغة، ولنجعل له برنامجًا. وكما أن القرآن حاضر في برنامج جميعنا، فلنجعل نهج البلاغة أيضًا، إن شاء الله، ضمن برنامجنا، ولنقرأ منه صفحة واحدة على الأقل كل يوم. ولنحاول، على الأقل، أن نختم نهج البلاغة مرة واحدة؛ كما نختم القرآن.
إنّ أمير المؤمنين (ع) هو القرآن الناطق بعينه، وكلماته أيضًا زاخرة بالمعارف القرآنية. ونهج البلاغة جدير بهذا الاحترام والاهتمام. إن شاء الله، يوفّقنا الله تعالى لقراءة جمل نهج البلاغة، والتعلّم منها، وأن تكون عاقبتنا خيرًا.
وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ. اَللّٰهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.